الجري بين الناس في المنام مشهد يعبّر عن الحركة وسط الزحام، وهو رؤيا رمزية لا تدل على واقعة محددة. فالأحلام تنقل علاقة الإنسان بمحيطه، وصورة الجري بين الجموع قد تكون تعبيرًا عن سعيه وسط انشغالات الحياة. وما يذكره المفسرون من معانٍ احتمالات تتفاوت بحسب حال الرائي وظروفه. فالأولى أن يقرأ الرائي المشهد بهدوء، وأن يربطه بما يعيشه من مشاغل.
يرمز الجري في الرؤى إلى السعي والحركة والنشاط، وقد يدل على الاستعجال أو الرغبة في الوصول إلى أمر ما أو اللحاق به. ويرمز الناس إلى المجتمع والزحام وتعدد الشواغل. وحين يجري الرائي بينهم فقد يعبّر ذلك عن سعي يشق طريقه وسط مزاحمة، أو عن رغبة في اللحاق بأمر والناس من حوله. ويتغير المعنى بحسب كثافة الزحام وسهولة الحركة.
والجري بين الناس في الأحلام كثيرًا ما يُفهم على أنه انعكاس لإيقاع حياة مزدحمة، كمن يسعى بين مهام وتجمعات ومواعيد كثيرة. وقد يدل على رغبة في تجاوز العقبات الاجتماعية أو التنافس مع الآخرين. وقد يعبّر عن إحساس بأن عليه أن يشق طريقه بجهده. وليس في المشهد ما يدل على خصومة، فهو تعبير عن الحركة وسط الزحام لا أكثر.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجموع في المنام قد تدل على أحوال الدنيا واجتماع الناس على أمر، وأن السير بينهم قد يدل على مخالطتهم وطلب حاجته منهم. ويُنقل ذلك على سبيل الاحتمال لا الجزم. وعلى هذا قد يُفهم الجري بينهم على أنه سعي في أمر يتعلق بالناس. ويحسن النظر إلى حال الجموع، هل هي هادئة أم صاخبة، وهل كانت تفسح الطريق.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الازدحام في الرؤيا قد يدل على كثرة الشواغل والمعاملات. ومن المفسرين من ربط شق الطريق بين الجموع بتجاوز العوائق. ورأى آخرون أن المشهد قد يعبّر عن خشية من الضياع في الزحام أو الانشغال بما لا ينفع. وهذه الآراء متفاوتة، ولا يصح أن يُجزم بأحدها في حق شخص بعينه، فالقرائن تختلف.
للسياق أثر كبير. فإن كان الناس يفسحون الطريق للرائي وهو يجري بسهولة، فقد يعبّر ذلك عن تيسير في معاملاته وعلاقاته. وإن كان الزحام شديدًا والرائي يصطدم بالآخرين، فقد يعكس إحساسًا بضغط الحياة والمنافسة. وإن كان بين الناس من يعرفه فيحييه، فقد يرتبط المشهد بعلاقات اجتماعية مريحة. ويختلف الأمر بحسب المكان، سوقًا كان أم ساحة أم شارعًا.
إذا كان الرائي طالبًا، فقد يرتبط الحلم بازدحام الجامعة أو المنافسة بين الزملاء. وإذا كان موظفًا، فقد يرتبط بزحام العمل والمواصلات وكثرة الاجتماعات. وأما صاحب التجارة فقد يرتبط عنده بالسوق والمنافسين والعملاء. وفي كل ذلك المعنى ظني، ومرده إلى ما يعيشه الرائي من أحوال.
وإذا كانت الرائية امرأة، فقد يعبّر الحلم عن مشاغل الأسرة والمناسبات والزيارات الكثيرة. وإذا كان الرائي متزوجًا، فقد يرتبط بكثرة الالتزامات الاجتماعية. أما الشاب فقد يرى فيه سعيًا لشق طريقه وسط منافسة. وكبير السن قد يرى فيه ذكرى أيام كان يخالط فيها الناس بنشاط، أو شوقًا إلى مجالسهم.
ومن التفاصيل المهمة نوع الزحام، وهل كان الرائي يعرف أحدًا، وهل شعر بالراحة أم الاختناق. فالزحام المريح قد يدل على أنس، والزحام الخانق قد يدل على ضغط. ومن الناحية النفسية قد يكون الحلم أثرًا لأيام مزدحمة اجتماعيًا. وقد يفيد أن يخصص الرائي وقتًا للهدوء وللانفراد بنفسه، وأن يرتب مواعيده الاجتماعية، وأن يعتذر بلطف عما لا يطيق. وكثيرًا ما تتسلل هذه الصورة إلى المنام بعد يوم في سوق أو مناسبة حاشدة، فلا تحمل معنى أبعد. وقد يرتبط المشهد بأيام الأعياد والمناسبات والأسواق المزدحمة، حيث يتزاحم الناس وتكثر الأصوات، فيحتفظ الذهن بصورها ويعرضها في النوم. وليس لهذا العرض معنى خاص ما دام الرائي يشعر بالراحة بعد الاستيقاظ. أما إن أحس بإرهاق من كثرة الاختلاط، فمن حقه أن يمنح نفسه فسحة من العزلة الهادئة، وأن يرتب مواعيده بما يناسب طاقته. ولا يصح أن يتخذ الرائي الحلم ذريعة لتقليل الاختلاط بالناس أو لسوء الظن بهم. وهذا تعليق عام وليس نصيحة طبية أو نفسية.
وفي الختام فإن ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ سببًا لسوء الظن بأحد. وليحسن الرائي ظنه بالله، وليكثر من الدعاء بأن ييسر الله له معاملاته ويصلح له أمره. فالأحلام لا تزيد الزحام ولا تخففه. والغيب لا يعلمه إلا الله.
