الجري بسرعة السيارة في المنام مشهد غريب يتجاوز المألوف، إذ يرى الرائي نفسه يسابق المركبات بقدميه، وهو رؤيا رمزية لا تدل على واقعة محددة. فالأحلام تستعين بالمبالغة والصور غير الواقعية لتعبّر عن مشاعر معينة، ولا تُحمل على ظاهرها. وما يذكره المفسرون من معانٍ احتمالات تتفاوت بحسب حال الرائي. فالأولى أن يفهمه الرائي على أنه صورة ذهنية لا كرامة ولا قدرة خارقة، وأن يقرأه بهدوء.
يرمز الجري في الرؤى إلى السعي والحركة والنشاط، وقد يدل على الاستعجال أو الرغبة في الوصول إلى أمر ما أو اللحاق به. وترمز السيارة إلى الوسائل المتطورة للإنجاز والانتقال وإلى وتيرة الحياة المعاصرة. فإذا جرى الرائي بسرعتها فقد يعبّر ذلك عن رغبة في مواكبة إيقاع سريع، أو عن إحساس بأن عليه أن يسابق الزمن. ويتغير المعنى بحسب ما يصاحب المشهد من شعور.
وهذا المشهد كثيرًا ما يُفهم على أنه انعكاس لضغط السرعة في الحياة اليومية، كأن يشعر الإنسان بأن عليه أن يبذل جهدًا مضاعفًا ليلحق بغيره. وقد يدل على طموح عالٍ أو حماس للإنجاز، وقد يدل على رغبة في تجاوز الوسائل المعتادة. وهو في كل ذلك صورة خيالية صرفة، لا تعني أن الرائي سيمتلك قدرة غير معتادة، ولا أن أمرًا سيتحقق بسرعة غير معتادة.
نُسب إلى ابن سيرين أن المركوب في المنام قد يرمز إلى وسيلة بها يبلغ المرء غايته، وإلى منزلته وحاله. وعلى هذا قد يُفهم الجري بسرعة السيارة على أنه رغبة في بلوغ الغاية بجهده الذاتي دون انتظار الوسائل. ويُنقل ذلك على سبيل الاحتمال لا الجزم. ويحسن النظر إلى بقية تفاصيل الحلم، فقد يكون المشهد مجرد تعبير عن سرعة الأيام ليس أكثر.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اختلاف وسائل السير في الرؤيا قد يدل على اختلاف طرق الطلب وسرعتها. ومن المفسرين من حمل المنافسة مع المركبات على رغبة في اللحاق بمن سبق في أمر الدنيا. ورأى آخرون أن الجري المتفوق على السيارة قد يعبّر عن ثقة زائدة أو طموح كبير. وهذه الآراء متفاوتة، ولا يصح أن يُجزم بأحدها في حق شخص بعينه، فهي اجتهادات قابلة للنقاش.
للسياق أثر كبير. فإن كان الرائي يجري بجانب السيارات مبتهجًا، فقد يعبّر ذلك عن ثقة وشعور بالتفوق في أمر ما. وإن كان يجري مرهقًا ليلحق بها، فقد يعكس إحساسًا بالتأخر عن غيره. وإن كان يجري بسرعتها دون أن يتعب، فقد يرتبط ذلك برغبة في الإنجاز دون عوائق. ويختلف الأمر إذا كان الطريق مزدحمًا أو خاليًا، وإذا كان معه من يجري.
إذا كان الرائي طالبًا، فقد يعبّر الحلم عن رغبة في مجاراة زملائه المتفوقين أو في إنهاء دراسته بسرعة. وإذا كان موظفًا، فقد يرتبط بسباق المهام وإيقاع العمل المتسارع. وأما صاحب المشروع فقد يرتبط عنده بالمنافسة مع غيره في السوق. وفي كل ذلك المعنى ظني، ولا يُبنى عليه اعتقاد بقدرة غير عادية.
وإذا كانت الرائية امرأة، فقد يعبّر الحلم عن سباق مع الوقت في التوفيق بين مهام كثيرة. وإذا كان الرائي متزوجًا، فقد يرتبط بسرعة الأحداث في حياة أسرته. أما الشاب فقد يرى فيه طموحًا في اللحاق بمن سبقه. وكبير السن قد يرى فيه تأملًا في سرعة مرور السنين، وربما تمنيًا لو كان العمر يتباطأ قليلًا.
ومن التفاصيل المهمة نوع الطريق، وهل كانت السيارات تسير بجانبه أم أمامه، وهل أحس الرائي بالفخر أو بالقلق. فالسير بجوار السيارات قد يدل على مواكبة، والتقدم عليها قد يدل على طموح مرتفع. ومن الناحية النفسية قد يكون الحلم أثرًا لأيام سريعة الإيقاع أو لمحتوى مرئي عن السرعة والسباقات. وقد يفيد أن يهدئ الرائي إيقاعه ويرتب أولوياته ويبتعد عن مقارنة نفسه بالآخرين. وكثيرًا ما تكون مثل هذه الصور من نسج الذهن حين يمتلئ بمشاهد السرعة، فلا تحمل أكثر من ذلك. وإذا كان الرائي معتادًا على قيادة السيارات أو ركوبها كثيرًا، فمن الطبيعي أن تظهر صورتها في منامه بأشكال متنوعة، دون أن يكون لذلك معنى خاص. وهذا تعليق عام وليس نصيحة طبية أو نفسية.
وفي الختام فإن ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ دليلًا على قدرة أو نتيجة. وليحسن الرائي ظنه بالله، وليكثر من الدعاء بأن يبارك الله في وقته ويعينه على ما يطيق. فالأحلام صور تتجاوز الواقع أحيانًا ولا تغيّره. والغيب لا يعلمه إلا الله.
