الجري بسرعة هائلة في المنام مشهد يبعث الإحساس بالقوة والاندفاع، وهو رؤيا رمزية لا تدل على واقعة محددة. فالأحلام تعبّر عن مشاعر الإنسان وتطلعاته وإيقاع حياته، وتصوغها في صور مبالغ فيها أحيانًا. وما يذكره المفسرون من معانٍ احتمالات تتفاوت بحسب حال الرائي وظروفه. فالأولى أن يقرأ الرائي المشهد بهدوء، وأن يفهمه على أنه صورة ذهنية لا قدرة حقيقية ولا إخبار عن أمر قادم.
يرمز الجري في الرؤى إلى السعي والحركة والنشاط، وقد يدل على الاستعجال أو الرغبة في الوصول إلى أمر ما أو اللحاق به. وحين تبلغ السرعة حدًّا هائلًا فقد يعبّر ذلك عن شدة الرغبة في الإنجاز، أو عن إحساس بأن الأحداث تتسارع من حول الرائي. وقد يعبّر كذلك عن طاقة كبيرة تبحث عن مخرج. ويتحدد المعنى بحسب ما يصاحب هذه السرعة من شعور بالمتعة أو بالارتباك.
والسرعة الهائلة في الأحلام كثيرًا ما تُفهم على أنها انعكاس لطموح كبير أو لعجلة في تحقيق هدف. وقد تدل على أن الرائي يعيش مرحلة سريعة الإيقاع، كثيرة المهام والمستجدات. وقد تدل على رغبة في تجاوز عقبات دفعة واحدة. وليس في المشهد ما يدل على قدرة خارقة، فهو من مبالغات الحلم المعتادة التي تعبّر عن شعور، ولا تعني أن شيئًا بعينه سيتحقق بسرعة في الواقع.
نُسب إلى ابن سيرين أن السرعة في السير في المنام قد تدل على الاستعجال في قضاء الحاجة أو سرعة في إتمام الأمر. ويُنقل ذلك على سبيل الاحتمال لا الجزم. وعلى هذا قد يُفهم الجري السريع جدًا على أنه رغبة في إنجاز سريع. غير أن المفسرين ينبهون إلى أن العجلة قد تكون محمودة في أمر ومذمومة في آخر، فالمعنى يتبع حال الرائي ونيته وما يسعى إليه.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن شدة الحركة في الرؤيا قد تدل على شدة الحرص أو كثرة الشواغل. ومن المفسرين من ربط السرعة الكبيرة بالتقلب السريع في الأحوال، ومنهم من حملها على نشاط وهمة عالية. ورأى آخرون أنها قد تدل على رغبة في الهروب من ضغط الأيام بالحركة. وهذه الآراء متفاوتة، ولا يصح أن يُجزم بأحدها في حق شخص بعينه، فالقرائن تختلف.
للسياق أثر كبير. فإن كان الرائي يجري بسرعة هائلة وهو مبتهج ومسيطر على خطواته، فقد يعبّر ذلك عن ثقة وحماس. وإن كان يجري بسرعة لا يستطيع إيقافها ويشعر بالقلق، فقد يعكس شعورًا بأن الأمور تتسارع أكثر مما يحتمل. وإن كان المنظر من حوله يمر سريعًا حتى لا يتبين شيئًا، فقد يرتبط ذلك بإحساس بأن الحياة تمضي بلا تأمل. ويختلف الأمر بحسب الطريق الذي يجري عليه.
إذا كان الرائي طالبًا، فقد يرتبط الحلم برغبة في إنهاء مراحل دراسته بسرعة أو بضغط اجتياز المناهج الكثيرة. وإذا كان موظفًا، فقد يرتبط بإيقاع عمل متسارع أو بطموح للترقي السريع. وأما صاحب المشروع فقد يرتبط عنده بسرعة نمو تجارته أو رغبته في التوسع. وفي كل ذلك المعنى ظني، ولا يُبنى عليه استعجال في قرار حقيقي.
وإذا كانت الرائية امرأة، فقد يعبّر الحلم عن سرعة الأيام وكثرة المهام التي تتوالى عليها، أو عن حماسها لأمر جديد. وإذا كان الرائي متزوجًا، فقد يرتبط بإيقاع الحياة الأسرية المزدحم. أما الشاب فقد يرى فيه طموحًا كبيرًا وتعجلًا للمستقبل. وكبير السن قد يرى فيه إحساسًا بأن العمر يمضي سريعًا، وحنينًا إلى أيام القوة.
ومن التفاصيل المهمة الأرض التي يجري عليها الرائي، وهل كان وحده، وهل أمكنه ضبط سرعته أو التوقف. فالقدرة على التوقف قد تدل على اتزان، وفقدان السيطرة قد يدل على إحساس بالانجراف مع الأحداث. ومن الناحية النفسية قد يكون الحلم أثرًا لأيام مزدحمة أو لإيقاع سريع في الحياة. وقد يفيد أن يخفف الرائي الإيقاع بقدر ما يستطيع، وأن يخصص وقتًا هادئًا للتأمل، وأن يفكر قبل أن يقدم على أي قرار. وكثيرًا ما يرتبط هذا الحلم بأيام تتراكم فيها الأخبار والواجبات، فيعبّر الذهن عنها بسرعة مبالغ فيها. والأحلام في هذا الباب أقرب إلى مرآة لما في النفس منها إلى نافذة على الغد، فلا ينبغي أن يُبنى عليها توقع. وهذا تعليق عام وليس نصيحة طبية أو نفسية.
وفي الختام فإن ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ وعدًا بنجاح أو سرعة في تحقق أمر. وليحسن الرائي ظنه بالله، وليكثر من الدعاء بأن يبارك الله في وقته وسعيه. فالسرعة في الحلم صورة لا قدرة. والغيب لا يعلمه إلا الله.
