إذا رأى النائم في منامه أنه يجري في الصباح الباكر، فقد يتساءل عما يعنيه هذا الوقت بالذات في الحلم. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من الخواطر والمشاعر وما يمر على الإنسان في يقظته، وليست خبرًا جازمًا عن أي أمر. وما يُذكر هنا تأويلات محتملة تقبل الصواب والخطأ، يُراد بها الاستئناس والتأمل. ويبقى للرائي أن يقرأ الصورة بهدوء وبحسب ما يعيشه.
الجري في المنام يرمز في الغالب إلى السعي والحركة والنشاط، وقد يدل على الاستعجال أو الرغبة في اللحاق بأمر أو بلوغ غاية. أما الصباح الباكر فيرتبط في الرمز العام بالبدايات والتجدد والنشاط وصفاء الذهن. ولذلك قد يُقرأ الجري في هذا الوقت على أنه رغبة في بداية جديدة أو في استقبال يوم بهمة. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالدلالة تتغير بتغير المشاعر والتفاصيل. فالصباح الهادئ المشرق غير الصباح المتعجل المرهق.
نُسب إلى ابن سيرين أن الإسراع في السير في المنام قد يُفسَّر بالحرص على قضاء حاجة أو بلوغ مقصد، وأن حال السائر من يسر أو مشقة يُعتبر في التأويل. ونُسب إلى بعض المعبّرين أن الأوقات في المنام قد تُقرأ بحسب ما تدل عليه في اليقظة من بدء أو منتصف أو ختام. ولا يُجزم بدقة نسبة هذه الأقوال، فقد تعددت الروايات وتداخلت النسخ في كتب التعبير. لذلك تُذكر على سبيل الاسترشاد لا القطع.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحركة السريعة قد تدل على همة وحرص، وقد تُفهم أحيانًا على أنها عجلة في أمر لم يحن أوانه. ورأى غيره أن الأوقات في الأحلام تتبع في الغالب انشغال الرائي بها في يقظته. وهذا الاختلاف بين الآراء طبيعي في باب يقوم على الاجتهاد لا على نص قاطع. فلا يصح التعويل على رأي واحد وإهمال ما سواه من الاحتمالات.
السياق مفتاح الفهم. فإذا كان الصباح مشرقًا هادئًا والجري خفيفًا فقد يوحي ذلك بنشاط وتفاؤل، وإذا كان الصباح ضبابيًا أو باردًا فقد يعكس غموضًا أو ترددًا في بداية أمر. والجري في طريق مألوف صباحًا قد يرتبط بروتين العمل أو الدراسة، والجري في مكان طبيعي قد يعبّر عن حاجة إلى الصفاء. وللمشاعر المصاحبة أثر كبير في ترجيح المعنى. وكل ذلك احتمالات لا يقين فيها.
وهذا النوع من الأحلام قد يظهر عند من يبدؤون يومهم مبكرًا أو من يحبون الرياضة الصباحية، وعند من يقبلون على بداية جديدة في عمل أو دراسة. فقد يعكس رغبة في الاستفادة من الوقت، وقد يعكس ترقبًا لأمر قادم. ولا يصح أن تُحمَّل الرؤيا وعودًا بنجاح أو غيره، فهذا ليس من شأن التعبير. والأقرب أن تُفهم على أنها صدى لحال الرائي وعاداته.
وللتفاصيل أثرها في المعنى. فإذا جرى الرائي مع أصدقاء في الصباح فقد يُفهم ذلك على أنه رغبة في صحبة داعمة على السعي، وإذا جرى منفردًا فقد يعبّر عن تأمل هادئ مع النفس. والجري بخفة قد يدل على ارتياح واستعداد، والجري المتعثر قد يدل على تردد في البداية. وإذا انتهى الجري بالتنفس العميق وشروق مريح فقد يدل على رضا وسكينة. وكل ذلك رموز عامة لا يُبنى عليها جزم.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى الاستفادة من ساعات الصباح الأولى بما يناسب حال الرائي. فالنوم المبكر، والمشي الخفيف، وإعداد قائمة قصيرة بأهم المهام، تعطي اليوم بدايته الهادئة. وقد يفيد ألا يُرهق الإنسان نفسه بجدول صارم لا يناسب طبيعته. كما أن شرب الماء وتناول فطور خفيف ينعشان الذهن. ومن المفيد أن يتدرج في أي عادة جديدة.
ومن المهم التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ولا يغني عن استشارة مختص عند الحاجة. فإذا أراد الرائي أن يبدأ برنامجًا رياضيًا فالأولى أن يستشير طبيبه إن كان لديه مرض أو إصابة. وإذا تكررت الأحلام المزعجة أو صاحبها أرق وقلق مستمر فالأولى التحدث مع أخصائي. وليس في طلب العون ما يعيب، بل هو من حسن العناية بالنفس. والتأمل الهادئ في الرؤيا لا يغني عن ذلك. ويحسن بالرائي ألا يجعل الحلم سببًا لتغيير عاداته فجأة، فالتدرج أرفق بالنفس والجسد.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار مصيري. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالبركة والتوفيق في بداياته. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا مجرد صورة تحتمل التأمل والاعتبار. اللهم اجعل أيامه مباركة وقلبه مطمئنًا. والله أعلم.
