إذا رأى كبير السن في منامه أنه يجري، فقد يبتسم لهذه الصورة أو يتعجب منها، لا سيما إن كان يجد في يقظته صعوبة في الحركة السريعة. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من الخواطر والذكريات والمشاعر وما يمر على الإنسان في أيامه، وليست خبرًا جازمًا عن شيء. وما يُذكر هنا تأويلات محتملة تقبل الصواب والخطأ، يُراد بها الاستئناس والتأمل. ويبقى للرائي أن يقرأ الصورة بهدوء وبحسب ما يعيشه فعلًا.
الجري في المنام يرمز في الغالب إلى السعي والحركة والنشاط، وقد يدل على الاستعجال أو الرغبة في اللحاق بأمر أو بلوغ غاية. وقد يعبّر عند كبار السن عن حنين إلى أيام الشباب والقوة، أو عن شوق إلى النشاط الذي كانوا عليه. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالدلالة تتغير بتغير المشاعر والتفاصيل. فالجري الخفيف السعيد غير الجري المرهق، والجري المطمئن غير الجري المذعور.
نُسب إلى ابن سيرين أن الإسراع في السير في المنام قد يُفسَّر بالحرص على قضاء حاجة أو إدراك مقصد، وأن حال السائر من يسر أو مشقة يُعتبر في التأويل. ولا يُجزم بدقة نسبة هذا القول، فقد تعددت الروايات وتداخلت النسخ في كتب التعبير عبر القرون. لذلك يُذكر على سبيل الاسترشاد لا القطع. ويحسن أن يُنظر أولًا إلى حال الرائي وعمره وظروفه قبل النظر إلى الرمز مجردًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحركة السريعة قد تدل على همة ونشاط، وقد تُفهم أحيانًا على أنها عجلة في أمر لم يحن أوانه. وذكر بعض المعبّرين أن الجري قد يعبّر عن أمنية في خفة الحال وتيسير الأمور. وهذا الاختلاف بين الآراء طبيعي في باب يقوم على الاجتهاد لا على نص قاطع. فلا يصح التعويل على رأي واحد وإهمال ما سواه من الاحتمالات.
السياق مفتاح الفهم. فإذا جرى الرائي في مكان من ذكرياته كبيت قديم أو حي نشأ فيه فقد يرتبط ذلك بالحنين والاستعادة. وإذا جرى في مكان واسع هادئ فقد يوحي ذلك برغبة في الانطلاق والتخفف، وإذا جرى في طريق وعر فقد يعكس شعورًا بثقل الأيام. وللمشاعر المصاحبة من فرح أو خوف أثر كبير في ترجيح المعنى. وكل ذلك احتمالات لا يقين فيها.
وبالنسبة إلى كبير السن تحديدًا، قد تعكس الرؤيا شوقه إلى خفة الجسد ونشاط الأيام الماضية، وقد تكون تعبيرًا عن رغبته في البقاء فاعلًا ومفيدًا لمن حوله. وقد تدل في تأويل آخر على نفس متفائلة لا تزال تحب الحركة والحياة. ولا يصح أن تُحمَّل الرؤيا إنذارًا أو وعدًا بشيء يتعلق بصحته أو مستقبله، فهذا ليس من شأن التعبير. والأقرب أن تُفهم على أنها صدى لمشاعره وأمنياته العامة.
وللتفاصيل أثرها في المعنى. فالجري برفقة الأحفاد أو الأبناء قد يُفهم على أنه حاجة إلى الأنس والمشاركة وحب للقرب منهم، والجري منفردًا قد يعبّر عن رغبة في التأمل والاستقلال. والجري بخفة وفرح قد يعكس ارتياحًا وسكينة، أما الجري المتعب فقد يعكس إرهاقًا يستحق الانتباه في اليقظة. وإذا انتهى الجري بجلوس في مكان هادئ فقد يُفهم على أنه حاجة إلى الراحة. وإذا صاحبه ضحك فقد يعبّر عن صفاء في النفس.
ومن الجانب العملي والنفسي، من المفيد لكبير السن أن يحافظ على نشاط مناسب لحاله كالمشي الهادئ بحسب إرشاد طبيبه، وأن يحيط نفسه بصحبة طيبة. والجلوس مع الأبناء والأحفاد وسرد الذكريات يمنح النفس أنسًا وطمأنينة. كما أن الاهتمام بالنوم والطعام وبمواعيد المتابعة الطبية ينعكس على المزاج وصفاء الأحلام. وقد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى الرضا والامتنان بما بقي من النشاط.
ومن المهم التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ولا يغني عن استشارة الطبيب والمختصين. فإذا اشتد التعب أو القلق أو الحزن أو اضطرب النوم، فالأولى طلب العون من طبيب أو أحد الأهل دون تأخير. وليس في طلب العون ما يعيب، بل هو من حسن العناية بالنفس. والتأمل الهادئ في الرؤيا لا يغني عن المتابعة الطبية المنتظمة. ويحسن بالرائي ألا يجعل الحلم سببًا للقلق، فهو في أحسن أحواله ابتسامة عابرة من النفس.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار مصيري. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالعافية وحسن الختام والطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا مجرد صورة تحتمل التأمل والاعتبار. اللهم اجعل أيامه هادئة وقلبه مطمئنًا. والله أعلم.
