الجري في الظلام في المنام مشهد يغيب فيه الوضوح وتخفى الطريق، وقد يشعر الرائي فيه بالحذر أو بالقلق. والرؤيا في أصلها رموز تتأثر بحال صاحبها وما يمر به، وتفسيرها اجتهاد لا يُقطع به. فلا ينبغي أن يكون الحلم سببًا لخوف، ولا أن يُبنى عليه قرار مهم. وفيما يلي عرض هادئ لما قيل في دلالته على سبيل الاستئناس. ويحسن النظر إليه بوصفه صورة للحال لا خبرًا عن المآل.
الجري في الرموز يعبر عن السعي والحركة والنشاط، وعن الرغبة في الوصول أو اللحاق بأمر مرتقب. وقد يعبر عن تفريغ توتر أو استعجال داخلي. أما الظلام فهو في الرموز صورة للغموض وقلة الوضوح وعدم اتضاح الرؤية في أمر ما. فإذا اجتمعا، مال المعنى إلى سعي دون وضوح كاف أو إلى حركة وسط التباس. وكل ذلك احتمالات لا جزم فيها. ويغلب أن يكون الحلم صدى لما يشغل الذهن من أمور غير محسومة.
وفي الجري في الظلام قد يشير المشهد إلى قرار أو خطوة لم تتضح معالمها بعد. وقد يعبر عن رغبة في المضي قدمًا رغم قلة المعلومات. وقد يرمز إلى قلق من المجهول أو من نتيجة لم تظهر. ومن الرائين من يجري في ظلام ثم يرى ضوءًا بعيدًا، فيكون المعنى أقرب إلى الأمل في الوضوح. ومنهم من يبقى في الظلام دون نهاية، فيكون أقرب إلى الحيرة. والشعور المصاحب هو المرجح بين هذه المعاني.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الظلمة أن الظلمة قد تدل على التباس في الأمر أو على حيرة، وأن الخروج منها إلى ضوء قد يشير إلى انكشاف الأمر. وهذا مما يُروى على وجه الاجتهاد، وقد تتباين النسخ في ألفاظه. ولم يكن المعبرون القدماء يعممون ذلك على كل رائٍ. فيُقرأ كلامهم إشارة عامة لا خبرًا مؤكدًا. وتبقى الأمور كلها موكولة إلى علم الله.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الظلام في المنام قد يرمز إلى غموض الأحوال أو إلى قلة العلم بأمر ما، مع اختلاف الدلالة بحسب الصورة. ومن المعبرين من رأى أن السير في الظلام مع وجود نور قد يعبر عن اهتداء إلى المقصد. وتتفاوت الآراء في ذلك، ولا إجماع على معنى واحد. لذلك يبقى الواقع هو الميزان الأول. وكل هذه الأقوال اجتهاد ظني يحتمل الخطأ. ولا ينبغي أن يُرتب عليها شيء من القرارات المهمة.
وللسياق أثر بالغ. فإذا كان الجري في ظلام هادئ والرائي مطمئن، فقد يوحي بثقة بالنفس رغم قلة الوضوح. وإذا كان في ظلام كثيف والرائي مرتبك يتعثر، فقد يعبر عن توتر من أمر غامض. كذلك يختلف الأمر بين من يحمل مصباحًا ومن يجري بلا ضوء. ويحسن أن يتذكر الرائي هل انتهى المشهد بضوء أم بقي في الظلام. ويفيد أن يتأمل أي أمر في حياته يحتاج إلى معلومات أكثر. ولا بأس بتدوين ما يتذكره من الحلم فور الاستيقاظ لأن التفاصيل تتلاشى سريعًا.
وتختلف القراءة بحسب الرائي. فالشاب قد يراه تعبيرًا عن حيرة في اختيار طريقه. والفتاة قد ترى فيه انعكاسًا لقلق من أمر لم تتضح نتيجته. والمتزوجة قد يعبر عندها عن انشغال بقرار يخص أسرتها. والموظف قد يراه صدى لتغيير في عمله لم تتضح تفاصيله. وكبير السن قد يستحضر به قلقًا من الأيام القادمة.
وللتفاصيل دلالات. فالجري تحت ضوء القمر قد يوحي بوضوح جزئي وهدوء، والجري في ظلام تام قد يوحي بعدم وضوح كامل. ووجود أضواء بعيدة قد يرمز إلى أمل في الوصول. ووجود شخص يرافق الرائي قد يعكس حاجة إلى سند ومشورة. وإذا وجد الرائي مصباحًا في يده، فقد يعبر عن استعداد أو تدبير. وكلها رموز لا يُرتب عليها وعد بنتيجة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يدعو هذا الحلم إلى السعي لتوضيح الأمور الغامضة بالسؤال والتشاور وجمع المعلومات. ويفيد تنظيم الوقت وعدم اتخاذ القرارات المصيرية في أوقات القلق. والرياضة المعتدلة بحسب القدرة قد تدعم الهدوء، مع الحرص في الواقع على الجري في الأماكن المضاءة والآمنة. وليس هذا الكلام نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده قلق أو أرق فليستشر مختصًا. وكل خطوة صغيرة منتظمة في اليقظة أنفع من الإطالة في تأويل الصور.
وجملة القول أن الجري في الظلام في المنام رمز قد يعبر عن غموض أو حذر أو بحث عن الوضوح، وكل ذلك اجتهاد بشري ظني. ومن رآه فليحسن الظن بالله، وليدع ربه أن يرزقه الهداية والبصيرة وييسر له أمره. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تقطع بما سيكون. فليستشر أهل الرأي والخبرة في أموره الواقعية. وبالرجاء في فضل الله تطمئن النفس ويهدأ القلب.
