الجري في الشارع في المنام مشهد يختلط فيه الركض بالأماكن العامة والناس والأصوات، وقد يشعر الرائي فيه بالحرية أو بالحرج. والرؤيا في أصلها رموز تتأثر بحال صاحبها وما يمر به، وتفسيرها اجتهاد لا يُقطع به. فلا ينبغي أن يكون الحلم سببًا لقلق أو لقرار مهم. وما يلي عرض هادئ لما قيل في هذا الرمز، على سبيل الاستئناس والتأمل.
يعبر الجري في الرموز عن السعي والحركة والنشاط، وعن الرغبة في الوصول أو اللحاق بأمر مرتقب. وقد يكون وسيلة للتعبير عن توتر أو استعجال داخلي. أما الشارع فهو في الرموز مساحة الحياة اليومية المشتركة، حيث يلتقي الإنسان بغيره ويمارس حياته العامة. فإذا اجتمعا، توجه المعنى إلى حركة الرائي في دائرة علاقاته وأعماله اليومية. وكل ذلك احتمالات لا يُجزم بها، فالحلم كثيرًا ما يرجع إلى مشاغل اليوم.
وفي الجري في الشارع قد يشير المشهد إلى انشغال بأمور الحياة العامة، كالعمل والمعاملات والتنقل بين الالتزامات. وقد يعبر عن رغبة في الظهور أو في إنجاز شيء أمام الآخرين. وقد يعكس أحيانًا حرجًا أو انتباهًا زائدًا لنظرات الناس. ومن الرائين من يجري في الشارع وهو مرتاح، فيكون المعنى أقرب إلى الانطلاق. ومنهم من يجري وهو متحرج، فيكون أقرب إلى القلق الاجتماعي.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الأسواق والطرق أن الشارع قد يدل على مجال العمل وأحوال الناس فيه، وأن الحركة فيه تعبر عن تصرف في الأمور وسعي فيها. وهذا مما يُروى على وجه الاجتهاد، وقد تختلف النسخ في ألفاظه. ولم يكن المعبرون القدماء يعممون المعنى على كل رائٍ. فيُؤخذ كلامهم إشارة عامة تتأثر بالحال. ولا يُجعل أصلًا يُبنى عليه قرار.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المكان الواسع المفتوح في المنام قد يشير إلى سعة في الحال أو إلى انكشاف في أمر من الأمور، مع اختلاف الدلالة بحسب الصورة. ومن المعبرين من رأى أن الجري بين الناس قد يعبر عن مسارعة في حاجة أو استعجال في قضاء أمر. وتتفاوت الآراء في ذلك، ولا إجماع على قول واحد. لذلك يبقى الواقع هو الميزان الأول. وكل هذه الأقوال اجتهاد ظني.
وللسياق أثر كبير. فإن كان الشارع هادئًا ومضاء، فقد يوحي ذلك بطمأنينة في الحركة اليومية. وإن كان مزدحمًا صاخبًا، فقد يعبر عن انشغال بكثرة المطالب أو ضغط من الأصوات المحيطة. وإذا كان الرائي يجري وسط ازدحام وهو متحرج من نظرات الآخرين، فقد يعكس ذلك شعورًا بالانكشاف. ويفرق بين من يجري لغاية واضحة ومن يجري بلا هدف، فالأول أقرب إلى الجدية. ويفيد أن يتأمل الرائي ما يشعر به تجاه من حوله في اليقظة.
وتختلف القراءة بحسب الرائي. فالشاب قد يراه صدى لاندفاع نحو أهدافه وسط زحام الحياة. والفتاة قد ترى فيه انشغالًا بنظرة المجتمع أو بتفاصيل يومها. والمتزوجة قد يعبر عندها عن تنقل مستمر بين قضاء الحاجات وشؤون البيت. والموظف أو صاحب العمل قد يراه انعكاسًا لحركة العمل والمواعيد. وكبير السن قد يستحضر به ذكرى أيام النشاط والحركة بين الناس.
وللتفاصيل دلالات. فالجري في شارع معروف قد يرمز إلى أمور مألوفة في حياة الرائي، والجري في شارع غريب قد يرمز إلى مرحلة جديدة أو مجهولة. ووجود سيارات أو مارة كثيرين قد يعبر عن كثرة المشاغل. والجري تحت المصابيح ليلًا قد يوحي بسعي في ظل وضوح جزئي. وإذا كان الرائي يجري لحاقًا بحافلة أو سيارة، فقد يدل على رغبة في اللحاق بفرصة. وإذا وصل إلى وجهته فقد يُفهم ذلك على أنه إحساس بإتمام المهمة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يدعو هذا الحلم إلى النظر في وتيرة الحياة اليومية وما فيها من ضغط وازدحام. ويفيد تنظيم الوقت بحيث لا تتراكم المهام، وتخصيص أوقات هدوء بعيدًا عن الزحام. والرياضة المعتدلة، كالمشي في أماكن آمنة وهادئة، قد تدعم النشاط وتهدئ التوتر. وليس هذا الكلام نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمرت عنده أعراض مرهقة فليراجع مختصًا. وليتحرى من يمارس الجري في الواقع الطرق الآمنة والإضاءة المناسبة.
وجملة القول أن الجري في الشارع في المنام رمز قد يعبر عن حركة الحياة اليومية والعلاقات والأعمال، وكل ذلك اجتهاد بشري ظني. ومن رآه فليحسن الظن بالله، وليدع ربه أن يبارك له في يومه وسعيه. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تقطع بما يكون. فليأخذ بالأسباب وليحافظ على هدوئه. وبالرجاء في فضل الله تطمئن النفس.
