إذا رأى التاجر في منامه أنه يجري، فقد يقف عند هذه الصورة ويسأل عما تحمله من إشارات تتصل بعمله وأيامه. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من الخواطر والمشاعر وما يمر على الإنسان في يقظته، وليست خبرًا جازمًا عن ربح أو خسارة. وما يُذكر هنا تأويلات محتملة تقبل الصواب والخطأ، ويُراد بها الاستئناس لا القطع. ويبقى للرائي أن يقرأ الصورة بروية وبحسب حاله الفعلية.
الجري في المنام يرمز في الغالب إلى السعي والحركة والنشاط، وقد يدل على الاستعجال أو الرغبة في الوصول إلى غاية أو اللحاق بأمر فائت. وقد يعبّر عن توتر متراكم من كثرة الالتزامات والمواعيد، أو عن طاقة تريد أن تجد مجالها. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالدلالة تتغير بتغير المشاعر والتفاصيل. فالجري الخفيف المريح غير الجري المرهق، والجري المطمئن غير الجري المذعور.
نُسب إلى ابن سيرين في باب السعي أن الإسراع في المنام قد يُفسَّر بالحرص على قضاء حاجة أو بلوغ مقصد، وأن حال الماشي من سهولة أو مشقة يُنظر فيها عند التأويل. ولا يُجزم بدقة نسبة كل قول إلى صاحبه، فقد تداخلت الروايات وتعددت النسخ في كتب التعبير. لذا يُؤخذ هذا النقل على سبيل الاسترشاد لا القطع. ويحسن أن يُنظر إلى حال الرائي وطبيعة عمله قبل النظر إلى الرمز مجردًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحركة السريعة قد تدل على همة في الكسب والسعي، وقد تُفهم أحيانًا على أنها عجلة في أمر لم يحن أوانه. وذكر بعض المعبّرين أن الجري قد يشير إلى كثرة الأشغال وتزاحمها. وهذا الاختلاف بين الآراء طبيعي، لأن التعبير اجتهاد يتأثر بزمان المعبّر وبيئته وثقافته. فلا يصح التعويل على قول واحد وإهمال بقية الاحتمالات.
السياق مفتاح الفهم. فإذا جرى التاجر في سوق أو بين المحال فقد يرتبط ذلك بتفاصيل عمله اليومي وما فيه من حركة وتنقل. وإذا جرى في طريق خال هادئ فقد يوحي ذلك برغبة في الابتعاد عن الضجيج، وإذا جرى في مكان مزدحم فقد يعكس شعورًا بضغط المطالب. وللمشاعر المصاحبة من فرح أو خوف أو تعب أثر كبير في ترجيح المعنى الأقرب. وكل ذلك احتمالات لا يقين فيها.
وبالنسبة إلى التاجر تحديدًا، قد تعكس الرؤيا ما يتحمله من مسؤوليات تجاه عمله وعماله وأسرته. وقد تكون صدى لانشغال بالمواعيد والتوريد والحسابات، أو برغبة في اللحاق بمواسم العمل. وقد تدل في تأويل آخر على همة وحرص على إتقان الصنعة. ولا يصح أن تُحمَّل الرؤيا وعودًا بربح أو مال أو توسع في التجارة، ولا إنذارًا بخسارة، فهذا ليس من شأن التعبير. والأقرب أن تُفهم على أنها مرآة لحال الرائي وما يشغل ذهنه.
وللتفاصيل أثرها في المعنى. فالجري برفقة شريك أو موظفين قد يُفهم على أنه تعاون في السعي، بينما الجري منفردًا قد يعبّر عن تحمل المسؤولية بمفرده. والجري بخفة قد يدل على ارتياح وثقة، أما الجري المتعب فقد يعكس إرهاقًا في اليقظة. وإذا انتهى الجري بالوصول إلى المحل أو المكتب فقد يُفهم ذلك على أنه شعور بالإنجاز. وإذا لم يكن له نهاية فقد يدل على رغبة في فسحة من كثرة الأعباء.
ومن الجانب العملي والنفسي، كثيرًا ما تنشأ هذه الأحلام عند ازدحام الأعمال وقلة الراحة. وقد يفيد التاجر أن يفوّض بعض المهام لمن يثق بهم، وأن يرتب أولوياته ويخصص وقتًا ثابتًا للراحة والرياضة الخفيفة. والكلام مع شريك أو صديق موثوق أو أحد أفراد الأسرة يخفف الضغط ويوضح الرؤية. كما أن النوم الكافي وتقليل المنبهات قبل النوم ينعكسان على هدوء الأحلام. وقد يكون الحلم دعوة إلى التمهل مع بقاء الهمة.
ومن المهم التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية ولا مالية، ولا يغني عن استشارة مختص عند الحاجة. فإذا طال الإرهاق أو صاحبه أرق وضيق مستمر، فالأولى طلب العون من طبيب أو مستشار مناسب. وليس في ذلك ما يعيب، بل هو من حسن العناية بالنفس. والتأمل الهادئ أنفع من القلق والتخمين، والقرارات العملية تُبنى على الوقائع لا على الأحلام.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار مصيري. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالتوفيق والسداد والطمأنينة في شؤونه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا مجرد صورة تحتمل التأمل والاعتبار. اللهم اجعل أيامه هادئة مطمئنة. والله أعلم.
