الجري على الماء في المنام مشهد عجيب يخالف المألوف، وهو رؤيا رمزية لا تدل على واقعة محددة ولا على قدرة حقيقية. فالأحلام تستعين بالصور غير الواقعية لتعبّر عن مشاعر وأفكار، ولا يصح أن تُحمل على ظاهرها. وما يذكره المفسرون من معانٍ احتمالات تتفاوت بحسب حال الرائي وظروفه. فالأولى أن يفهم الرائي المشهد على أنه صورة ذهنية بحتة لا كرامة ولا شيء خارق، وأن يقرأه بهدوء.
يرمز الجري في الرؤى إلى السعي والحركة والنشاط، وقد يدل على الاستعجال أو الرغبة في الوصول إلى أمر ما أو اللحاق به. ويرمز الماء في الرؤى إلى الحياة والرزق والمشاعر وتقلب الأحوال، فقد يكون هادئًا يدل على سكينة، وقد يكون مضطربًا يدل على انفعال. وحين يجري الإنسان على الماء فقد يعبّر ذلك عن رغبة في اجتياز ما هو متقلب أو غير ثابت بخفة. ويتغير المعنى بحسب نوع الماء وحاله.
والجري على الماء في الأحلام قد يُفهم على أنه انعكاس لرغبة في التعامل بيسر مع أمور غير مستقرة، كعمل جديد أو علاقة متقلبة أو ظروف مالية متغيرة. وقد يدل على شعور بالقدرة على تجاوز الصعوبات دون الغرق فيها. وقد يعبّر عن توازن دقيق يحاول الرائي الحفاظ عليه. وهو في كل ذلك خيال محض، ولا يعني أن الرائي يمتلك قدرة خارقة، ولا أن أمرًا بعينه سيتحقق.
نُسب إلى ابن سيرين أن الماء في المنام قد يدل على الحياة والرزق والأحوال، وأن السير فوقه قد يعبّر عن ركوب الأمور والتعامل معها. ويُنقل ذلك على سبيل الاحتمال لا الجزم. وعلى هذا قد يُفهم الجري عليه على أنه سعي في أمور متقلبة. ويحسن النظر إلى صفاء الماء وسعته، فكل ذلك يغير القراءة، ولا يصح الاكتفاء بمعنى واحد.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الماء الصافي قد يدل على صفاء الأحوال والعيش، والكدر قد يدل على اضطراب. ومن المفسرين من ربط البحر والنهر بالمنزلة والسعة، ومنهم من ربطه بالمخاوف التي تحيط بالإنسان. ورأى آخرون أن الجري فوق الماء قد يعبّر عن حذر وتوازن. وهذه الآراء متفاوتة، ولا يصح أن يُجزم بأحدها في حق شخص بعينه.
للسياق أثر كبير. فإن كان الماء صافيًا هادئًا والرائي يجري عليه بطمأنينة، فقد يعبّر ذلك عن سكينة وثقة. وإن كان الماء مضطربًا والرائي يجري بتوتر، فقد يعكس ذلك قلقًا من تقلب الأحوال. وإن كان الرائي يخشى الغرق أثناء الجري، فقد يرتبط المشهد بخوف من أعباء أكبر من طاقته. ويختلف الأمر إذا كان الجري على بحر أو نهر أو بركة صغيرة.
إذا كان الرائي طالبًا، فقد يعبّر الحلم عن تعامل مع مرحلة دراسية متقلبة، أو رغبة في اجتياز اختبار بخفة. وإذا كان موظفًا، فقد يرتبط بظروف عمل غير مستقرة يحاول التكيف معها. وأما صاحب التجارة فقد يرتبط عنده بتقلب الأسواق وسعيه إلى الثبات. وفي كل ذلك المعنى ظني، ولا يُبنى عليه قرار مالي أو مهني.
وإذا كانت الرائية امرأة، فقد يعبّر الحلم عن توازن تحاول الحفاظ عليه بين مشاعر متقلبة أو ظروف أسرية متغيرة. وإذا كان الرائي متزوجًا، فقد يرتبط بسعيه إلى ثبات في أمر الأسرة. أما الشاب فقد يرى فيه رغبة في اجتياز مرحلة غير مستقرة بخفة. وكبير السن قد يرى فيه تأملًا في تقلبات الدنيا التي مرت به.
ومن التفاصيل المهمة صفاء الماء وسعته ولونه، وهل كان الرائي وحده، وهل أحس بالأمان أو الخوف أثناء الجري. ومن الناحية النفسية قد يكون الحلم تعبيرًا عن حاجة إلى الشعور بالسيطرة وسط ظروف غير مستقرة. وقد يفيد أن يرتب الرائي ما يستطيع ترتيبه، وأن يتقبل أن بعض الأمور خارجة عن إرادته، وأن يستعين بمشورة أهل الخبرة. وكثيرًا ما تأتي هذه الصور من انطباعات بصرية عابرة، كمشهد بحر أو فيلم رآه قبل النوم، فلا يكون لها أبعد من ذلك. وإذا كان الرائي يخاف الماء أو يحبه، فذلك يغيّر طعم المشهد عنده، فمن يحب البحر قد يراه مشهد بهجة، ومن يخافه قد يراه مشهد توتر. وهذا يبين أن مفتاح التفسير هو شعور الرائي نفسه، لا الصورة وحدها. وهذا تعليق عام وليس نصيحة طبية أو نفسية.
وفي الختام فإن ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ دليلًا على قدرة أو كرامة. وليحسن الرائي ظنه بالله، وليكثر من الدعاء بالثبات في الأمور وحسن العاقبة. فالأحلام تعبّر بالصور ولا تغيّر الواقع. والغيب لا يعلمه إلا الله.
