إذا رأى المريض في منامه أنه يجري، فقد يستوقفه المشهد خاصة إذا كان يعاني في يقظته من ضعف أو تعب. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من الخواطر والمشاعر والأمنيات وما يمر على الإنسان في أيامه، وليست خبرًا جازمًا عن حاله الصحية. وما يُذكر هنا تأويلات رمزية محتملة تقبل الصواب والخطأ، ولا علاقة لها بتشخيص أو بتوقع شيء عن المرض. ويبقى للرائي أن يقرأ الصورة بهدوء ومن غير تعلق بها.
الجري في المنام يرمز في الغالب إلى السعي والحركة والنشاط، وقد يدل على الاستعجال أو الرغبة في اللحاق بأمر أو بلوغ غاية. وقد يعبّر عن شوق إلى القدرة على الحركة والعودة إلى النشاط المعتاد، فالنفس كثيرًا ما تحلم بما تفتقده في اليقظة. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالدلالة تتغير بتغير المشاعر والتفاصيل. فالجري الخفيف المريح غير الجري المرهق، والجري المطمئن غير الجري المذعور.
نُسب إلى ابن سيرين أن الإسراع في السير في المنام قد يُفسَّر بالحرص على قضاء حاجة أو إدراك مقصد، وأن حال السائر من يسر أو عسر يُعتبر في التأويل. ولا يُجزم بدقة نسبة هذا القول، فقد تعددت الروايات وتداخلت النسخ في كتب التعبير عبر القرون. لذلك يُذكر على سبيل الاسترشاد لا القطع. ويحسن أن يُنظر أولًا إلى حال الرائي وشعوره قبل النظر إلى الرمز مجردًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحركة السريعة قد تدل على همة ونشاط، وقد تُفهم أحيانًا على أنها عجلة في أمر لم يحن أوانه. وذكر بعض المعبّرين أن الجري قد يعبّر عن أمنية في التحرر مما يثقل على النفس. وهذا الاختلاف بين الآراء طبيعي في باب يقوم على الاجتهاد لا على نص قاطع. فلا يصح التعويل على رأي واحد وإهمال ما سواه من الاحتمالات.
السياق مفتاح الفهم. فإذا جرى الرائي في مكان واسع هادئ فقد يوحي ذلك برغبة في الانطلاق والتخفف، وإذا جرى في مكان مألوف كالبيت أو الحي فقد يرتبط بما يشتاق إليه من تفاصيل حياته المعتادة. والجري بخفة وسهولة قد يعكس أمنية في النشاط، أما الجري الثقيل المتعب فقد يعكس ما يشعر به في اليقظة من إجهاد. وللمشاعر المصاحبة من فرح أو خوف أثر كبير في ترجيح المعنى. وكل ذلك احتمالات لا يقين فيها.
وبالنسبة إلى المريض تحديدًا، يجب التأكيد على أن الرؤيا لا تدل على تحسن أو تدهور، ولا يصح استنباط أي نتيجة صحية منها. وقد تكون الرؤيا مجرد تعبير عن الرغبة في استعادة النشاط والحركة والعودة إلى الأيام المعتادة. وقد تعكس أيضًا ملل الراحة الطويلة أو تعب الانتظار. ولا يُبنى عليها أي قرار يتعلق بالعلاج أو الدواء أو الزيارات الطبية. والأقرب أن تُفهم على أنها صدى لمشاعر المريض وأمنياته العامة.
وللتفاصيل أثرها في المعنى. فالجري برفقة الأهل أو الأصدقاء قد يُفهم على أنه حاجة إلى الأنس والدعم، والجري منفردًا قد يعبّر عن رغبة في الاعتماد على النفس. وإذا انتهى الجري بجلوس في مكان جميل هادئ فقد يُفهم على أنه حاجة إلى الراحة والسكينة. وإذا صاحب الجري فرح فقد يعكس أملًا في النفس، وإذا صاحبه قلق فقد يعكس إرهاقًا يستحق العناية في اليقظة. وكل ذلك رموز عامة لا علاقة لها بالتشخيص.
ومن الجانب العملي والنفسي، من المفيد أن يلتزم المريض بتعليمات طبيبه ومواعيد علاجه، وألا يجعل الأحلام مرجعًا في شأن صحته. وقد يخفف عنه أن يتكلم مع أهله عما يشعر به، وأن يملأ أيامه بما يناسب حاله من قراءة هادئة أو ذكر طيب أو جلوس مع الأحبة. كما أن الاهتمام بالنوم والطعام بحسب إرشاد الطبيب ينعكس على المزاج. وقد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى الصبر الجميل والرفق بالنفس.
ومن المهم التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ولا يغني عن استشارة الطبيب والمختصين. فإذا اشتد التعب أو القلق أو الحزن، أو تغيرت الأعراض، فالأولى مراجعة الطبيب دون تأخير. وليس في طلب العون ما يعيب، بل هو من حسن العناية بالنفس. والتأمل الهادئ في الرؤيا لا يغني عن المتابعة الطبية المنتظمة.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه أي قرار. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالعافية والطمأنينة له ولكل مريض. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا مجرد صورة تحتمل التأمل. اللهم اجعل أيامه هادئة وقلبه مطمئنًا. والله أعلم.
