إذا رأى الطالب في منامه أنه يجري، فقد يتساءل عما تعنيه الصورة وهل لها صلة بدراسته وأيامه. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من الخواطر والمشاعر وما يمر على الإنسان في يومه، وليست خبرًا قاطعًا عن نتيجة أو مصير. وما يُذكر هنا تأويلات محتملة تقبل الخطأ والصواب، يُراد بها الاستئناس والتأمل. ويبقى للرائي أن يقرأ الصورة بهدوء وفي ضوء ما يعيشه فعلًا.
الجري في المنام يرمز في الغالب إلى السعي والحركة والنشاط، وقد يدل على الاستعجال أو الرغبة في اللحاق بأمر أو بلوغ غاية. وقد يعبّر عن توتر يسبق الاختبارات والمواعيد، أو عن طاقة تبحث عن طريق للانطلاق. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالدلالة تتغير بتغير الشعور المصاحب للمشهد. فالجري الخفيف الواثق غير الجري المرهق المذعور، ولكل منهما قراءة مختلفة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الإسراع في السير في المنام قد يُفسَّر بالحرص على بلوغ مقصد أو قضاء حاجة، وأن سهولة الطريق أو صعوبته تُعتبر في التأويل. ولا يمكن الجزم بدقة نسبة هذا القول، فقد تداخلت الروايات واختلفت النسخ عبر القرون. لذلك يُذكر على سبيل الاسترشاد فقط. ويحسن أن يُنظر أولًا إلى حال الرائي قبل النظر إلى الرمز مجردًا من سياقه.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحركة السريعة قد تدل على همة وسعي في طلب الأمور، وقد تُفهم أحيانًا على أنها عجلة في أمر لم يكتمل. وذكر بعض المعبّرين أن الجري قد يشير إلى كثرة ما على الرائي من مهام يريد إنجازها في وقت ضيق. وهذا الاختلاف بين الآراء طبيعي، لأن التعبير اجتهاد يتأثر بزمان المعبّر وبيئته. فلا يصح التعويل على رأي واحد وإغفال ما سواه من الاحتمالات.
السياق مفتاح الفهم. فإذا جرى الطالب في ممرات المدرسة أو الجامعة فقد يرتبط ذلك بجدوله اليومي وما فيه من محاضرات ومواعيد. وإذا جرى في طريق طويل بلا نهاية فقد يعبّر عن شعور بكثرة المطلوب، وإذا جرى في ساحة مفتوحة فقد يوحي برغبة في التخفف والانطلاق. وللمشاعر المصاحبة من فرح أو خوف أو تعب أثر كبير في ترجيح المعنى. وكل ذلك احتمالات لا يقين فيها.
وبالنسبة إلى الطالب تحديدًا، قد تعكس الرؤيا انشغاله بالمذاكرة والواجبات والاستعداد للامتحانات. وقد تكون صدى لقلق من التأخر عن موعد أو عن زملاء، أو لرغبة في استدراك ما فاته من دروس. وقد تدل في تأويل آخر على همة واجتهاد وحرص على التحصيل. ولا يصح أن تُحمَّل الرؤيا وعودًا بدرجات أو نجاح محدد أو إخفاق، فهذا ليس من شأن التعبير. والأقرب أن تُفهم على أنها تعبير عن حال الرائي وما يشغل ذهنه.
وللتفاصيل أثرها في المعنى. فالجري مع زملاء الدراسة قد يُفهم على أنه تعاون في المسير نحو هدف مشترك، والجري منفردًا قد يعبّر عن اعتماد على النفس وانشغال بشأن خاص. والجري بسهولة قد يدل على استعداد وثقة، أما الجري المتعثر أو المنقطع النفس فقد يعكس إرهاقًا أو خوفًا من التقصير. وإذا بلغ الرائي باب القاعة في الوقت المناسب فقد يُفهم ذلك على أنه شعور بالاستعداد. وإذا فاته الموعد فقد يعبّر عن قلق عابر لا أكثر.
ومن الجانب العملي والنفسي، كثيرًا ما تظهر هذه الأحلام في أيام الضغط الدراسي وقرب الاختبارات. وقد يفيد الطالب أن يضع جدولًا واقعيًا للمذاكرة يتخلله وقت للراحة والطعام الجيد والرياضة الخفيفة. والكلام مع معلم أو زميل أو أحد الوالدين يخفف التوتر ويوضح الأولويات. كما أن النوم الكافي ليلة الاختبار أنفع من السهر الطويل. وقد يكون الحلم دعوة إلى تنظيم الوقت لا إلى القلق، وإلى الثقة بما بذله من جهد.
ومن المهم التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ولا يغني عن استشارة مختص عند الحاجة. فإذا اشتد القلق أو تكررت الأحلام المزعجة وأثرت في النوم والتركيز، فالأولى التحدث مع مرشد دراسي أو طبيب أو أحد الأهل الموثوقين. وليس في طلب العون ما يعيب، بل هو من حسن العناية بالنفس. والتأمل الهادئ في الرؤيا أنفع من التخمين والتوقعات.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار مصيري. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالتوفيق والسداد في دراسته وشؤونه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا مجرد صورة تحتمل التأمل. اللهم اجعل أيامه ميسرة وقلبه مطمئنًا. والله أعلم.
