إذا رأى النائم في منامه أنه يجري نحو شيء ينتظره، كمكان أو أمر أو صورة غير واضحة المعالم، فقد يتساءل عما يعنيه هذا الاتجاه. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من الخواطر والمشاعر وما يمر على الإنسان في يقظته، وليست خبرًا جازمًا عن أي أمر. وما يُذكر هنا تأويلات محتملة تقبل الصواب والخطأ، يُراد بها الاستئناس والتأمل. ويبقى للرائي أن يقرأ الصورة بهدوء.
الجري في المنام يرمز في الغالب إلى السعي والحركة والنشاط، وقد يدل على الاستعجال أو الرغبة في اللحاق بأمر أو بلوغ غاية. وحين يكون الاتجاه نحو شيء منتظر فقد يعبّر عن تطلع النفس إلى هدف أو أمنية تشغلها. وليس لهذا الشيء المنتظر في الرمز العام صفة خبر أو إشارة من خارج النفس، فهو في الغالب من تشكيلات الذهن وما يتمناه. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالدلالة تتغير بتغير المشاعر والتفاصيل.
نُسب إلى ابن سيرين أن الإسراع في السير في المنام قد يُفسَّر بالحرص على قضاء حاجة أو بلوغ مقصد، وأن حال السائر من يسر أو مشقة يُعتبر في التأويل. ولا يُجزم بدقة نسبة هذا القول، فقد تعددت الروايات وتداخلت النسخ في كتب التعبير عبر القرون. لذلك يُذكر على سبيل الاسترشاد لا القطع. ويحسن أن يُنظر أولًا إلى حال الرائي وما يتطلع إليه قبل النظر إلى الرمز مجردًا من سياقه.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحركة السريعة قد تدل على همة وحرص، وقد تُفهم أحيانًا على أنها عجلة في أمر لم يحن أوانه. وذكر بعض المعبّرين أن التوجه نحو مقصد في المنام قد يعبّر عن تعلق النفس به. وهذا الاختلاف بين الآراء طبيعي في باب يقوم على الاجتهاد لا على نص قاطع. فلا يصح التعويل على رأي واحد وإهمال ما سواه من الاحتمالات.
السياق مفتاح الفهم. فإذا كان الشيء المنتظر واضحًا كبيت أو مكان مألوف فقد يرتبط الحلم بشوق إلى الاستقرار أو إلى مكان محدد في الذاكرة. وإذا كان غامضًا فقد يعبّر عن تطلع عام لا يعرف الرائي ما هو. وإذا كان الجري نحوه مريحًا فقد يوحي بشغف وأمل، وإذا كان مجهدًا فقد يعكس ثقل السعي. وللمشاعر المصاحبة أثر كبير في ترجيح المعنى. وكل ذلك احتمالات لا يقين فيها.
وهذا النوع من الأحلام قد يظهر عند من يسعون إلى هدف يقترب أو إلى أمنية تشغل بالهم. فقد يعكس شوقًا وترقبًا، وقد يعكس قلقًا من عدم بلوغ المراد. ولا يصح أن يُعدّ الشيء الذي ينتظر الرائي في الحلم رسالة غيبية أو خبرًا عما سيكون، فهذا ليس من شأن التعبير ولا تثبته الأدلة. والأقرب أن يُفهم على أنه صورة ذهنية تعبّر عن تطلعات الرائي ورغباته.
وللتفاصيل أثرها في المعنى. فإذا بلغ الرائي ذلك الشيء فقد يُفهم الأمر على أنه شعور بالإنجاز والاطمئنان في الخيال، وإذا لم يبلغه فقد يعبّر عن استمرار الترقب. والجري برفقة آخرين نحوه قد يعكس مشاركة في الهدف، والجري منفردًا قد يعكس سعيًا شخصيًا. والجري بخفة قد يدل على ارتياح، والجري بتعب قد يدل على إرهاق من الانتظار. وكل ذلك رموز عامة لا يُبنى عليها جزم.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى تأمل ما يريده الرائي حقًا وتحويله إلى خطوات واقعية. فكتابة الأهداف وتقسيمها إلى مراحل صغيرة تخفف الشعور بالترقب المرهق. وقد يفيد أن يتكلم مع من يثق بهم عن أمنياته ومخاوفه. كما أن الانشغال بما هو بين يديه اليوم يساعد على تخفيف ثقل الانتظار. ومن المفيد أن يتذكر الإنسان أن السعي المتزن خير من التعلق المفرط.
ومن المهم التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ولا يغني عن استشارة مختص عند الحاجة. فإذا اشتد القلق أو الترقب أو تكررت الأحلام المزعجة وأثرت في النوم والعمل، فالأولى التحدث مع طبيب أو أخصائي نفسي أو أحد الأهل الموثوقين. وليس في طلب العون ما يعيب، بل هو من حسن العناية بالنفس. والتأمل الهادئ في الرؤيا لا يغني عن ذلك. ويحسن بالرائي ألا يجعل الحلم سببًا لتعلق مفرط بأمر ينتظره. فالنفس إذا هدأت رأت طريقها بوضوح أكبر.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار مصيري. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالتوفيق والطمأنينة في شؤونه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا مجرد صورة تحتمل التأمل والاعتبار. اللهم اجعل أيامه ميسرة وقلبه مطمئنًا. والله أعلم.
