الجري مع شعور بالخوف في المنام مشهد يستيقظ منه كثيرون وهم يحسون بقلق، وهو رؤيا رمزية لا تدل على واقعة محددة. فالأحلام تعبّر عن المخاوف والتوترات الكامنة في النفس، والخوف في الحلم صورة لشعور داخلي لا إخبار عن خطر حقيقي. وما يذكره المفسرون من معانٍ احتمالات تتفاوت بحسب حال الرائي وظروفه. فالأولى أن يتعامل الرائي مع المشهد بهدوء، وألا يفترض فيه أمرًا لم يرد في الحلم.
يرمز الجري في الرؤى إلى السعي والحركة والنشاط، وقد يدل على الاستعجال أو الرغبة في الوصول إلى أمر ما أو اللحاق به. ويضيف الخوف معنى القلق والتوتر وعدم الاطمئنان. وحين يجتمعان فالمشهد قد يعبّر عن حركة سريعة تدفعها مخاوف داخلية، أو عن رغبة في الابتعاد عن ضيق نفسي. ويتغير المعنى بحسب مصدر الخوف في الحلم، وهل كان واضحًا أم غامضًا.
والخوف أثناء الجري في الأحلام كثيرًا ما يُفهم على أنه انعكاس لقلق من أمر مقبل، كاختبار أو قرار أو مسؤولية أو موقف اجتماعي. وقد يدل على ضغط متراكم لم يجد الرائي له متنفسًا. وقد يكون أحيانًا أثرًا لمشاهدة أو سماع ما يثير القلق قبل النوم. وليس في المشهد ما يدل على أن خطرًا سيقع، فهو صورة لانفعال نفسي لا إخبار عن حدث.
نُسب إلى ابن سيرين أن الخوف في المنام قد يدل على الأمان والطمأنينة، وأن الأمان قد يدل على خوف، على اعتبار أن الأمور تُفسَّر بخلاف ظاهرها في بعض الأحوال. ويُنقل ذلك على سبيل الاحتمال لا الجزم. ومن المفسرين من قال إن الخوف في الحلم يعبّر عن قلق قائم، وهو الأقرب في الاستعمال المعاصر. ويبقى المعنى مرهونًا بحال الرائي.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخوف في الرؤيا قد يدل على حذر وتوقٍّ، وأن الأمن بعده يدل على سكينة. ومن المفسرين من ربط الجري مع الخوف بمحاولة التخلص من هم أو ضيق. ورأى آخرون أن المشهد قد يعبّر عن قلق من المستقبل. وهذه الآراء متفاوتة، ولا يصح أن يُجزم بأحدها في حق شخص بعينه، فالقرائن تختلف.
للسياق أثر كبير. فإن كان الخوف يزول في آخر الحلم وينتهي الرائي إلى مكان آمن، فقد يعبّر ذلك عن قدرة على تجاوز القلق. وإن بقي الخوف حتى الاستيقاظ، فقد يعكس توترًا ما زال حاضرًا. وإن لم يعرف الرائي سبب خوفه، فقد يرتبط المشهد بقلق عام غير محدد. ولا يصح أن يتخيل الرائي سببًا لم يظهر في الحلم أو أن يربطه بشخص بعينه.
إذا كان الرائي طالبًا، فقد يرتبط الحلم بخوف من الاختبارات أو النتائج. وإذا كان موظفًا، فقد يرتبط بقلق من العمل أو من تقييم الآخرين. وأما صاحب المشروع فقد يرتبط عنده بخوف من تقلب السوق. وفي كل ذلك المعنى ظني، ومرده إلى ما يعيشه الرائي من أحوال، ولا يُبنى عليه توجس.
وإذا كانت الرائية امرأة، فقد يعبّر الحلم عن قلق على أسرتها أو أمورها أو من حمل المسؤوليات. وإذا كان الرائي متزوجًا، فقد يرتبط بقلق على مستقبل أولاده. أما الشاب فقد يرى فيه خوفًا من المستقبل وقراراته. وكبير السن قد يرى فيه قلقًا مما قد يطرأ، وهو قلق مألوف يخف بالأنس بالأهل وبالدعاء.
ومن التفاصيل المهمة شدة الخوف ومدته، وهل تكرر الحلم، وهل بقي أثره بعد الاستيقاظ. ومن الناحية النفسية قد يكون الحلم أثرًا لضغط أو قلق متراكم. وقد يفيد التنفس الهادئ وتنظيم النوم وتقليل المحتوى المقلق قبل النوم والكلام عما يقلق مع من يثق به الرائي. وإذا كان الخوف شديدًا أو متكررًا أو أثر في النوم والحياة اليومية، فمن الحسن أن يتحدث الرائي مع مختص أو مع أحد أهله دون تردد. ومما يخفف أثر مثل هذه الأحلام أن يتذكر الرائي أن الخوف في المنام ليس خطرًا واقعًا، وإنما هو شعور يمر ثم يزول بالاستيقاظ. وقد يساعده أن يشرب قليلًا من الماء ويجلس جلسة هادئة قبل أن يعود إلى النوم، وأن يبتعد عن مشاهدة ما يخيف في آخر النهار. وإذا عاد الحلم مرارًا فقد يفيد أن يكتب ما يتذكره ويقرأه في الصباح بهدوء، فكثيرًا ما يفقد الحلم ثقله حين يُنظر إليه في ضوء النهار. ولا يصح أن يتحول الأمر إلى انشغال دائم بتفسير المخاوف. وهذا تعليق عام وليس نصيحة طبية أو نفسية.
وفي الختام فإن ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ سببًا للخوف. وليحسن الرائي ظنه بالله، وليكثر من الدعاء بأن يؤمّنه الله ويطمئن قلبه ويحفظه. فالخوف في المنام صورة لما في النفس. والغيب لا يعلمه إلا الله.
