رؤية البحر في النهار في المنام، حيث يغمر الضوء السماء والماء، صورة توحي بالوضوح والانكشاف. ومع ذلك فهي رؤيا رمزية لا تُفسَّر بظاهرها، ولا يُجزم بأنها خبر عن أمر مستقبلي. والرؤيا لا تُبنى عليها قرارات مصيرية، فهي إشارات تحتمل أكثر من وجه بحسب حال الرائي وسياقه. وقد يتغير المعنى بتغير مشاعر الرائي في الحلم وتفاصيل ما رأى. وفيما يلي عرض لما قيل في هذه الرؤيا على سبيل الاجتهاد والاستئناس.
البحر في الرموز يدل على السعة والعمق والرزق الواسع، وعلى الرحلة في الحياة وما فيها من تقلبات، وعلى المشاعر العميقة. وحين يكون ذلك في النهار فالضوء عنصر يضيف معنى الكشف والبيان، فتصبح الأمور التي يرمز إليها البحر أقرب إلى الوضوح. وقد يشير ذلك إلى مرحلة تتضح فيها الأهداف، أو إلى أمر كان خافيًا فبدأ يظهر. كما قد يدل على نشاط وحركة وانفتاح على الناس والأعمال. وهذه معانٍ عامة تحتاج إلى مقابلتها بواقع الرائي وظروفه.
نُسب إلى ابن سيرين أن البحر يدل على أمر عظيم أو رزق أو صاحب سلطان، وأن حسن هيئته يدل على حسن ما يتعلق به. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرؤية في النور تدل على الوضوح وسهولة الأمر، بخلاف الرؤية في الظلمة التي قد تدل على التباس. وتتفاوت الآراء في التفاصيل، فبعضها يربط الضياء بالفرج وبعضها بالانكشاف. وصورة البحر في وقت بعينه من النهار، كالضحى أو الظهيرة، أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيُستنبط معناها من الأصل العام مع الحذر.
يؤثر السياق في تحديد المعنى. فإن كانت الشمس معتدلة وخفيفة فقد تدل الصورة على راحة وسعة وانشراح. وإن كانت حارة جدًا فقد تشير إلى جهد وعمل يتطلب صبرًا، دون أن يكون ذلك شرًا. وإن كان الرائي في نزهة أو مع أهله فالمعنى أقرب إلى الأنس والاستقرار. وإن كان وحده فقد يعبّر عن تأمل أو حاجة إلى مراجعة النفس. وشعوره بالفرح أو الهدوء أثناء الحلم قرينة مهمة تعزز المعنى الحسن.
بالنسبة للعزباء، قد يدل البحر في النهار على وضوح في أهدافها وانفتاح على فرص في العلم أو العمل، وعلى حياة اجتماعية نشطة. ويذكر بعض المعبرين أنه قد يرمز إلى خير ظاهر غير مخفي، لكن ذلك احتمال لا جزم فيه. وأما المتزوجة فقد يدل على أجواء مريحة في البيت وعلى صفاء في العلاقة وتفاهم بين أفراد الأسرة. وقد يكون ذلك أيضًا انعكاسًا لرغبة في خروج ونزهة مع أسرتها.
وللرجل قد يدل البحر نهارًا على وضوح في أعماله ومعاملاته وعلى فرص ظاهرة في الرزق والتجارة. وقد يعبّر عن نشاط وحيوية وانفتاح على علاقات جديدة. وللحامل قد يدل الحلم على طمأنينة وتفاؤل بما هو قادم، وهو ليس نصيحة طبية، والمرجع في الصحة هو الطبيبة. وللطالب قد يشير إلى وضوح الطريق الدراسي وانشراح الذهن، شرط أن يقترن بالاجتهاد المعتاد والمراجعة.
وللتفاصيل أثر في الترجيح. فإذا كان الماء يلمع تحت الشمس فقد يدل على بريق أمل أو خبر مفرح بصورة عامة. وإن كان الشاطئ مليئًا بالزوار فقد يرمز إلى علاقات اجتماعية واسعة أو إلى دعم محيط بالرائي. وإن كان الشاطئ خاليًا فقد يعبّر عن رغبة في الهدوء والانفراد. وإن ظهر قارب على سطح الماء وهو يتحرك بسهولة فقد يُحمل على سير الأمور بيسر. ووجود سحابة عابرة لا يغيّر المعنى كثيرًا، وإنما يشير إلى بعض الشواغل الصغيرة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون هذا الحلم صدى لرغبة في الخروج إلى الطبيعة أو لراحة نفسية بعد انشغال. ويمكن أن يستثمره الرائي في ترتيب أولوياته، وتحديد ما اتضح له وما لا يزال غامضًا، واستغلال النهار في الأعمال المهمة. كما أن الجلوس تحت أشعة الشمس المعتدلة والمشي في الهواء الطلق يعين على المزاج والنشاط. فالضوء في الحلم قد يكون دعوة لطيفة إلى الوضوح والعمل بنشاط، وهذا ما يحسن أن يستفيده الرائي دون تحميل الحلم أكثر مما يحتمل.
وتبقى هذه التأويلات اجتهادًا بشريًا ظنيًا قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح الجزم بها ولا بناء قرار مصيري عليها. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعو الله أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه البصيرة وحسن العاقبة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ورد في كتب التعبير محاولات للفهم لا تغني عن العمل والتوكل. فمن رأى البحر في النهار فليحمد الله وليأخذ بالأسباب، وليترك ما وراء ذلك لعلم الله وتدبيره.
