شرب ماء البحر صورة غير مألوفة، فالماء المالح لا يروي العطش ولا يُقبل عليه الناس عادة، ولذلك ارتبط في الذهن بتحمل مشقة أو التعامل مع أمر لا يناسب النفس. وحين يرى الإنسان نفسه يشرب منه في المنام فقد يلفت ذلك انتباهه إلى جهد يبذله أو شعور عميق يحاول استيعابه. وينبغي أن يُفهم أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل على فعل يُقدم عليه الرائي في الواقع، وليست توجيهًا لفعل شيء. وقد تكون الصورة آتية من تجربة سباحة ابتلع فيها الماء أو من قصة قرأها عن البحر. أما إن بقي الأثر فقد يستحق التأمل الهادئ.
البحر في عالم الرؤى يرمز في الغالب إلى السعة والعمق، وقد يدل على الرزق الواسع أو الدنيا المتقلبة أو المشاعر العميقة بحسب حال الرائي. والشرب في الرؤى يرمز غالبًا إلى الأخذ والنيل والاستفادة، فشرب ماء البحر قد يرمز إلى الأخذ من هذا الاتساع بما فيه من تعب وغنى معًا. وقد يرمز كذلك إلى تحمل الإنسان لما لا يوافقه رغبة في تحصيل مقصد. وقد يدل في سياق آخر على استيعاب مشاعر كثيرة ثقيلة دفعة واحدة. فتتغير الدلالة بحسب مذاق الماء وشعور الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الماء والشرب أن الشرب قد يدل على نيل رزق أو علم أو معيشة بحسب صفاء الماء وطعمه، وأن الماء المالح قد يدل على مشقة وكدر، وقد يُفهم من ذلك أن شرب ماء البحر قد يدل على نيل شيء مع عناء. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن من شرب ما لا يُستساغ قد يدل ذلك على تحمل أمر ثقيل أو مال فيه شبهة تعب. إلا أن المفسرين اختلفوا في تفصيل ذلك، وهذه الصورة بعينها قليلة التناول بتفصيل. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيحسن الأخذ بالمعاني العامة على سبيل الاستئناس.
للسياق أثر بالغ، فرشفة صغيرة من ماء البحر بنية التجربة غير شرب كميات كبيرة وسط شعور بالاختناق. فإذا رأى الإنسان أنه شرب منه دون ضيق فقد يُفهم ذلك على أنه قدرة على احتمال مرحلة صعبة. وإذا شعر بالغثيان أو الضيق فقد يعبر ذلك عن إحساس بأن ما يتحمله أكبر من طاقته. وإذا بصقه بعد تذوقه فقد يدل على رفضه لشيء لا يناسبه. ومشاعر الرائي أثناء المشهد أقرب دليل إلى اتجاه المعنى.
قد تفهم المرأة غير المتزوجة رؤية شرب ماء البحر على أنها صدى لمشقة تتحملها في سبيل هدف، أو لمشاعر ثقيلة تحاول استيعابها بصمت. وقد تعبر عن حاجتها إلى من يخفف عنها. وإن شربت دون ضيق فقد يوحي ذلك بقدرة على الصبر، وإن اختنقت فقد يوحي بإرهاق. أما المرأة المتزوجة فقد يرمز شرب ماء البحر في منامها إلى تحمل أعباء الأسرة أو كتمان همّ في سبيل راحة من حولها. وقد تدل الرؤيا أحيانًا على حاجتها إلى مشاركة همومها. وهذه كلها احتمالات لا يصح الجزم بها.
أما الرجل فقد يرى في شرب ماء البحر رمزًا لتحمل ضغوط عمل أو التزامات مالية في سبيل غاية يرجوها، فيفهمه بحسب ما يعيشه. وقد يدل الشرب المحتمل على صبر مثمر، والمنفر على جهد لا يتناسب مع المقصد. وإذا رأت الحامل نفسها تشرب ماء البحر فقد يُفهم ذلك رمزيًا على أنه شعور بثقل المرحلة. وهذا فهم رمزي لا يتعلق بحال الحمل الصحية، ولا يصح أن يُؤخذ منه توجيه يخص الشرب أو الغذاء، والمنام ليس نصيحة طبية ولا يغني عن مراجعة الطبيب. وكذلك المريض يأخذ بأسباب العلاج ولا يتخذ الرؤيا مرجعًا في حاله.
من التفاصيل الدقيقة كمية الماء وطريقة الشرب، فالجرعة القليلة قد توحي بتجربة عابرة، والكثيرة بإفراط في التحمل. وإن كان الرائي يشرب بيديه فقد يدل على إقدام بإرادته، وإن كان الماء يدخل فمه فجأة فقد يدل على أمر فُرض عليه. وصفاء الماء أو عكره قد يضيف معنى، فالصافي أخف أثرًا، والعكر أثقل. ووجود من يناوله ماء عذبًا بعد ذلك قد يدل على فرج أو معين. ومن المفيد تدوين هذه التفاصيل وربطها بما يعيشه الرائي.
ومن الجانب النفسي قد يظهر هذا المشهد عند من يحمل أعباءً تفوق احتماله ويشعر أنه يبتلعها بصمت. وقد يستحضر العقل هذه الصورة ليعبر عن تحمل ما لا يُستساغ في سبيل هدف. ومن المفيد أن يسأل الرائي نفسه ما الذي يبتلعه من ضيق دون أن يعبر عنه، وهل من الأفضل أن يتكلم أو يطلب عونًا. وقد يفيد التعبير عن المشاعر أو تخفيف بعض الأعباء أو مراجعة مختص نفسي إن طال الأمر. ولا تُبنى قرارات مصيرية على مجرد منام.
وفي الختام، قد يرمز شرب ماء البحر في المنام إلى تحمل المشقة أو استيعاب مشاعر عميقة ثقيلة في سبيل غاية، وتتبدل دلالته بحسب الشعور المصاحب وسياق الرؤيا. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، فلا يصح الخوف منه ولا الجزم به. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا صور تتداخل فيها الرموز مع ما في النفس. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بربه وأن يدعو الله أن يخفف عنه ما يثقله ويفتح له أبواب الفرج. ثم يمضي في يومه بطمأنينة وأمل.
