رؤية البحر بلا نهاية في المنام، حيث يمتد الماء في كل اتجاه دون شاطئ يلوح، من الصور التي تحمل معنى الاتساع والمجهول معًا. ومع ذلك فهي رؤيا رمزية لا تُحمل على ظاهرها، ولا تدل على وقوع شيء بعينه. والرؤيا عمومًا لا يُجزم بها ولا تُبنى عليها قرارات مصيرية، فهي إشارات تحتمل أكثر من وجه. وقد يتغير معناها بحسب حال الرائي وما يمر به من مراحل وما يشعر به في الحلم. وفيما يلي بيان لما قيل فيها على سبيل الاجتهاد والاستئناس.
البحر في الرموز يدل على السعة والعمق والرزق الواسع، وعلى الرحلة في الحياة وما فيها من تقلبات، وعلى المشاعر العميقة. فإذا ظهر بلا نهاية مرئية فإن المعنى يتجه إلى الأمور التي لم تتحدد حدودها بعد، كمشروع طويل المدى أو مرحلة لم تتضح معالمها أو أمل بعيد. وقد يعبّر الحلم عن شعور بالضآلة أمام أمر كبير أو عن رغبة في الانفتاح على آفاق جديدة. وقد يشير أيضًا إلى مشاعر لم يجد الرائي لها سقفًا أو تفسيرًا. وكل ذلك احتمالات عامة تحتاج إلى موازنة بحال صاحب الرؤيا.
نُسب إلى ابن سيرين أن البحر يدل على أمر عظيم أو سلطان أو رزق، وأن عِظَمه يدل على عِظَم ما يتعلق به. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البحر العظيم يشير إلى مال كثير أو شأن كبير أو سفر بعيد لمن يرى ذلك على وجه حسن. وتختلف الأقوال في التفاصيل، فبعضهم يربط الاتساع بالرزق وبعضهم بكثرة الهموم. أما صورة الامتداد بلا نهاية فهي أقل تناولًا في الكتب القديمة بوصفها صورة مستقلة، ولذلك يُستنبط تأويلها من الأصل العام للبحر، ويبقى الاجتهاد فيها واسعًا.
يؤثر السياق في تحديد المعنى. فإذا شعر الرائي بالطمأنينة وهو ينظر إلى الامتداد فقد يدل ذلك على رضا عن مساره وثقة بالمستقبل. وإذا شعر بالحيرة أو بالضياع فقد يعبّر الحلم عن حاجة إلى تحديد هدف أو الاستعانة بمن يرشده. وإن كان الرائي واقفًا على الشاطئ فالامتداد قد يمثل ما ينتظره من أمور لم يبدأها بعد. وإن كان في قارب صغير، فقد يرمز إلى خوضه تجربة تحتاج إلى صبر وتدرج.
بالنسبة للعزباء، قد يدل البحر الممتد على كثرة الخيارات في حياتها وعلى حاجتها إلى وقت لتحديد ما تريد، وقد يعبّر عن تطلع إلى مستقبل رحب. وإن شعرت بالقلق فقد تكون الرؤيا انعكاسًا لتفكير طويل في أمر لم يُحسم. وأما المتزوجة فقد يرمز عندها إلى سعة العلاقة وما فيها من مسؤوليات وآمال مشتركة، أو إلى رغبة في أفق جديد لها ولأسرتها. ويبقى التأويل ظنيًا يرجع فيه كل رائية إلى ما تعرفه من واقعها.
وللرجل قد يدل البحر بلا نهاية على أعمال متشعبة أو مشروع طويل يحتاج إلى نفس طويل، وإلى تدرج في الخطوات. وقد يعبّر عن رغبة في السفر أو التغيير أو تأسيس شيء جديد، دون جزم بذلك. وللحامل قد يرمز الحلم إلى تأمل في المستقبل وما يحمله من آمال وأسئلة، مع التذكير بأنه ليس نصيحة طبية ولا يغني عن مراجعة الطبيبة. وللطالب قد يشير إلى سعة العلم الذي ينتظره، ويُرجى معه أن يكون التدرج هو الطريق.
وللتفاصيل أثر في الترجيح. فإن كان الأفق مضيئًا بنور الشمس أو القمر فقد يدل ذلك على أمل يضيء الطريق في الامتداد. وإن كانت السماء صافية فقد يكون المعنى أقرب إلى الوضوح رغم السعة. وإن كان الجو ضبابيًا فقد يشير إلى أمور تحتاج إلى مزيد من الفهم. ورؤية طائر يحلق بعيدًا قد تُحمل على أخبار أو آمال بعيدة المدى. وإذا كان الماء هادئًا فذلك يخفف دلالة الحيرة، وإذا كان متحركًا فقد يدل على أن الطريق يحتاج إلى متابعة ومرونة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون هذا الحلم تعبيرًا عن أن الرائي يقف أمام قرار أو مرحلة كبيرة ويشعر بسعتها. ويفيده تحديد وجهة مبدئية، حتى لو كانت مؤقتة، ثم تقسيمها إلى مراحل صغيرة تُراجع بين حين وآخر. كما يفيد أن يتعلم قبول المجهول بوصفه جزءًا من الحياة، دون أن يعطل ذلك عمله. والتأمل والمشي في أماكن مفتوحة يعين كثيرًا على تصفية الذهن. فاتساع الأفق قد يكون فرصة إذا اقترن بخطة بسيطة وواضحة، وهذا ما يحسن أن يستفيده الرائي.
وتبقى هذه التأويلات اجتهادًا بشريًا ظنيًا قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح الجزم بها ولا بناء قرار مصيري عليها. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعو الله أن يهديه إلى ما فيه خير وأن يوسع له في رزقه وفهمه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ورد في كتب التعبير محاولات للفهم لا تغني عن العمل والتوكل. فمن رأى بحرًا بلا نهاية فليحمد الله وليأخذ بالأسباب، وليترك ما وراء ذلك لعلم الله وتدبيره.
