قد يرى الإنسان الحزين أو المهموم البحر في منامه، وكثيرًا ما يحدث ذلك في فترات يثقل فيها القلب ويكثر التفكير. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا يصح أن تُفهم على أنها خبر محتوم، بل هي صور يختارها العقل أثناء النوم ليعبّر عما يخالج الصدر. والبحر من أوسع الرموز التي تحمل أكثر من وجه، فقد يوحي بالسعة والفرج، وقد يوحي بعمق الشعور وصعوبة الإحاطة به. وكل ذلك مرهون بما يظهر في المشهد من هدوء أو اضطراب وبما يشعر به الرائي في أثناء النظر إليه.
حين يكون الرائي مهمومًا فإن البحر قد يصبح عنده صورة لحجم ما يحمله من أفكار، فاتساع الماء قد يقابل اتساع الهم، وعمقه قد يقابل عمق الحزن الذي لم يُفصح عنه. وفي المقابل قد يكون البحر الهادئ رمزًا للسكينة التي يشتاق إليها القلب، ومنفذًا نفسيًا يعبّر عن حاجة إلى راحة وصفاء. كما أن منظر الماء الممتد إلى الأفق قد يوحي بأن للأمور مخرجًا وإن بدا بعيدًا. ومن هنا يتبين أن البحر لا يحمل دلالة واحدة، بل يتلون بحسب حال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن البحر يرمز إلى ذي سلطان أو إلى رزق واسع، وأن الماء الصافي منه أقرب إلى الخير والاضطراب منه أقرب إلى الانشغال والمشقة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الهدوء في البحر يدل على راحة بعد تعب، وأن الاضطراب يدل على أحوال متقلبة. ومع ذلك اختلفت آراء المعبرين في تفاصيل كثيرة، ولم يتناول القدماء حال الحزين والمهموم بشكل مستقل في كل ما نُقل عنهم، فالرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. لذلك ينبغي أخذ هذه الأقوال على أنها اجتهادات متفاوتة.
يؤثر سياق الرؤيا في فهمها تأثيرًا واضحًا، فالحزين الذي يقف على الشاطئ ويشعر بالراحة يختلف عن حزين يحاصره الماء ويضيق نفسه. وقد يكون سبب الهم معروفًا للرائي كفقد عزيز أو ضيق في المال أو خلاف أسري، وقد يكون غامضًا لا يعرف له سببًا. وكلما اتصل الحلم بحدث قريب في يقظته كان أقرب إلى أن يكون انعكاسًا نفسيًا مباشرًا. وكذلك ينفع أن يتذكر الرائي حاله بعد الاستيقاظ، أخفّ ما يجد في صدره أم أثقل، فهذا الشعور من أهم مفاتيح فهم الرؤيا.
إذا رأت المرأة العزباء الحزينة البحر هادئًا فقد يُفهم ذلك على أنه بشرى بانفراج بعد ضيق وقلة قلق من المستقبل، وإن رأته مضطربًا فقد يعكس كثرة التفكير في أمر لم يتضح. والمتزوجة المهمومة قد يرتبط البحر عندها بأعباء البيت وانشغالها بأفراد أسرتها، وقد يكون الصافي منه إشارة إلى تخفيف بعد جهد. أما المرأة الحامل فقد يعكس البحر عندها تقلب المشاعر في هذه المرحلة، وهو أمر نفسي مألوف، ولا يُعد الحلم تشخيصًا ولا نصيحة طبية. ومن شعرت بحزن شديد فلتستشر الطبيب أو المختص.
وأما الرجل المهموم فقد يرى البحر عند انشغاله بالرزق أو الدين أو مسؤولية الأسرة، فيكون الماء الواسع صورة لحجم التزاماته، وقد يدل الهادئ منه على أمل في تيسير الأحوال. وقد يظهر عند الشاب الحزين بسبب دراسة أو عمل أو علاقة متعثرة، فيكون البحر رمزًا للمستقبل المفتوح الذي يخيفه ويجذبه معًا. وللمريض الذي يثقل عليه همه قد يظهر البحر كصورة للتعب والانتظار، ولا يصح اعتماد الحلم في أمر الصحة، فالمرض يرجع فيه إلى الأطباء. وكبير السن قد يرى فيه تأملًا في مسيرة عمره الطويلة.
من التفاصيل المفيدة أن يتذكر الرائي هل كان وحده أم مع شخص يعرفه، فالرفقة في المشهد قد تدل على حاجة إلى سند في الواقع. وهل كان يبكي أو يتأمل أو يمشي على الرمل أو يجلس صامتًا، فالبكاء قد يعبّر عن تفريغ شعور مكبوت، والتأمل قد يعبّر عن بحث عن معنى. ولون الماء وصفاؤه ووجود الشمس أو الغيم من التفاصيل التي تعطي الصورة مناخًا، فالضوء قد يوحي بأمل والغيم بتردد. ووجود أمواج هادئة تصل إلى القدمين قد يوحي بأن الهموم تقترب لكنها قابلة للاحتمال.
من الناحية النفسية تساعد الرؤية على الانتباه إلى حاجة النفس للتعبير والراحة. وقد يستفيد الرائي منها بأن يخصص وقتًا للمشي في مكان هادئ، وأن يكتب ما يشغله في ورقة، وأن يتكلم مع صديق أو قريب يثق به. والانتظام في النوم والغذاء والحركة يخفف كثيرًا من ثقل الأفكار الليلية. وإذا طال الحزن واستمر أسابيع وأثر في العمل أو العلاقات فمراجعة مختص نفسي خطوة حسنة، فالحلم ليس بديلًا عنها. كما أن الذكر والدعاء يمنحان القلب طمأنينة يعرفها كثير من الناس بالتجربة.
وقد تتكرر الرؤيا عند المهموم أكثر من مرة، وتكرارها في الغالب يعكس استمرار الانشغال بالموضوع نفسه لا أكثر. وقد يتغير المشهد مع الأيام فيصير البحر أهدأ كلما خف الهم، وقد يُفهم ذلك على أنه انعكاس لتحسن الحال النفسي. وفي المقابل إن بقي المشهد قاتمًا ولم يتغير فقد يعني أن الأمر الذي يثقل الصدر لم يُعالج بعد. والأفضل ألا يجعل الرائي من الحلم مصدرًا لمزيد من الخوف، بل أن يتخذه تذكيرًا لطيفًا بضرورة العناية بنفسه. ولا يصح أن يُبنى على الرؤيا قرار مصيري، فهي صور رمزية تحتمل أكثر من وجه.
وخلاصة القول أن رؤية البحر للحزين والمهموم قد تحمل معاني السكينة والفرج أو تعكس عمق الشعور وكثرة الأفكار، وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدعُ ربه أن يفرج همه ويشرح صدره ويبدل حاله إلى خير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما التعبير إلا محاولة لفهم الرموز لا خبر يقين عن المستقبل. فليأخذ الحزين بالأسباب ويطلب العون ممن حوله، وليطمئن قلبه فإن الأمور بيد من هو أعلم بها.
