تنظيف آثار العاصفة فعل يجمع بين الجهد والأمل، فالمرء يزيل ما تناثر ويعيد ترتيب ما تبعثر. وينبغي التذكير بأن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فهي لا تدل على عاصفة حقيقية مرت ولا على عمل شاق ينتظر الرائي. إنما هي صورة يعبّر بها العقل عن مرحلة الإصلاح وإعادة الترتيب بعد اضطراب. ويظل شعور الرائي وهو ينظف، أهو رضا ونشاط أم تعب وملل، أول ما يُرجع إليه في الفهم.
العاصفة ترمز إلى التغيّر والحركة والظروف المتبدلة والاضطراب العابر وقوة خارجة عن سيطرة الإنسان، والتنظيف يرمز إلى الإصلاح والتهيؤ لبداية جديدة وإزالة ما علق من هموم. فاجتماعهما قد يعبّر عن مرحلة تعافٍ بعد فترة مضطربة، يرتب فيها الرائي ما تبعثر في حياته. وقد تدل الصورة على أن الاضطراب انتهى وأن الدور الآن على الإصلاح بيد الرائي نفسه. وفيها معنى التجدد بوضوح، فمن ينظف مكانه يهيئ نفسه لصفاء قادم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الكنس والتنظيف في المنام قد يدلان على إزالة هم أو ترتيب حال أو سداد أمر، بحسب حال الرائي وما ينظفه. ونُسب إليه في الريح ما يدل على اضطراب عابر ينقضي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معان قريبة تتصل بتطهير المكان وتغيير الحال. والآراء تختلف في هذه الدلالات اختلافًا يتبع حال الرائي. ولا يوجد في الكتب القديمة تفصيل وافٍ لتنظيف آثار العاصفة، فهو من الرموز الأقل شيوعًا والأقل تناولًا، ولذلك يكون التأويل تقديريًا.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإذا كان الرائي ينظف وحده بنشاط، دل ذلك على اعتماد على النفس وقدرة على الإصلاح. وإذا كان معه أهله أو جيرانه، فقد يعبّر ذلك عن تعاون وسند اجتماعي. وإذا كان ينظف بعد المطر والطين، فقد يعني أن الأمر يحتاج إلى صبر أكبر. وإذا أنهى التنظيف وبدا المكان أجمل من قبل، فهذا يميل إلى تحسن يتجاوز ما كان عليه. وإذا ظل يعمل دون أن ينتهي، فقد يعبّر ذلك عن أمور متراكمة تحتاج إلى تقسيم.
للفتاة العزباء قد تدل الصورة على إعادة ترتيب أولوياتها بعد مرحلة قلق، كمراجعة خطة دراسية أو مهنية أو تصفية علاقة مرهقة. وإن شعرت بالراحة أثناء التنظيف فذلك يميل إلى تجدد وصفاء. وللمتزوجة قد تعبّر الرؤيا عن ترتيب أمور البيت أو إصلاح ما تأثر بخلاف أو ضغط، وفرصة لتجديد المودة. وغالبًا ما تدعو الصورة إلى إشراك الأسرة في المهام. وتبقى الرؤيا رمزية لا يُبنى عليها قرار مصيري.
الرجل قد يرى في المشهد صورة لإصلاح ما تأثر في عمله أو مشروعه أو علاقاته بعد فترة تقلب، وإعادة ترتيب حساباته. وإن كان صاحب مسؤولية فقد تعكس الرؤيا دوره في إعادة النظام. وأما الحامل فقد تعبّر الصورة عن رغبتها في ترتيب بيتها وتهيئته، وهو أمر شائع نفسيًا. ولا تُعد الرؤيا نصيحة طبية ولا مؤشرًا على حالة الحمل، وما يقلقها صحيًا يُعرض على الطبيب المختص. وعليها ألا تحمل ما يرهقها، فالراحة أولى. والمريض كذلك لا يتخذ من الرؤيا دليلًا على حاله، فالأمر إلى أهل الطب.
التفاصيل الدقيقة تغيّر القراءة. فالمكنسة الجديدة تدل على أدوات وإمكانات حاضرة، والأدوات المتهالكة قد تعني حاجة إلى تجديد الوسائل. وإن رأى الرائي الماء يغسل الأرض فذلك يميل إلى صفاء وتجدد. وإن كانت الأوراق المتناثرة تُجمع فقد تدل على أمور مبعثرة تُلم. وإن كان يجمع أغراضًا ثمينة بين الركام فقد يعني اكتشاف قيمة في ما ظنه فاقدًا. وإن كان يتوقف ليستريح ثم يكمل فهذا يميل إلى حسن توزيع الجهد.
ومما يستحق التأمل أن التنظيف ليس عبئًا فقط، بل هو فعل علاجي لكثير من الناس، فالعمل بالأيدي يهدئ الأعصاب ويمنح شعورًا بالإنجاز. وقد تعكس الرؤيا حاجة داخلية إلى ما يماثل ذلك في الواقع، كترتيب مكتب أو غرفة أو جدول. وهذا ترتيب خارجي يعين على ترتيب الداخل. ولذلك فالصورة دعوة لطيفة إلى البدء بخطوة صغيرة قابلة للإنجاز اليوم، بدل انتظار وقت مثالي.
من الزاوية العملية والنفسية، يفيد الرائي أن يضع قائمة قصيرة بما يحتاج إلى إصلاح بعد المرحلة السابقة، ويقسمها على أيام الأسبوع. كما يفيد أن يشرك من حوله بالتعاون، وأن يكافئ نفسه عند الإنجاز. وتنفع الرياضة الخفيفة وترتيب المكان الذي يقضي فيه أكثر وقته. ويحسن ألا يطلب الكمال من أول يوم. وإن غلب عليه الإرهاق أو فقدان الدافع بعد المرحلة الصعبة فاستشارة مختص نفسي مفيدة.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ درجة اليقين. والأولى حسن الظن بالله والدعاء بأن يبارك الله في جهد الرائي ويعينه على الإصلاح والتجديد. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يطلع عليه أحد من المفسرين ولا غيرهم. فليأخذ الرائي من الرؤيا ما يدفعه إلى الإصلاح الهادئ، وليمض في أيامه مطمئنًا.
