تظهر الريح في الصحراء في المنام والأفق مفتوح ورمال ممتدة لا يحدها شيء، فيحس الرائي بالاتساع والوحدة معًا. والأصل أن يُفهم أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تخبر بحدث محدد ولا تقطع بأمر قادم. وإنما هي صورة تُقرأ بأكثر من وجه، ويتحدد وجهها الأقرب بحال الرائي وما يعيشه. ولذلك تُفسَّر على سبيل الاحتمال والتأمل، ويُبتعد فيها عن التهويل مهما بدا المشهد واسعًا.
في الرمزية العامة، تدل الريح على الحركة والتغيّر وتبدّل الظروف، وتضيف الصحراء معنى الاتساع والاختبار والاعتماد على النفس والبعد عن المألوف. وقد تشير الريح في الصحراء إلى مرحلة يمضي فيها الرائي في طريق طويل دون معالم واضحة، أو إلى تغيّر يعيد تشكيل ما حوله كما تعيد الريح تشكيل الكثبان. وقد تدل على سفر أو ترحال أو تجربة جديدة. ويبقى الميزان في شعوره وفي ما يصحب الصورة من تفاصيل.
نُسب إلى ابن سيرين أن الصحراء في المنام قد تدل على سعة وسفر وبعد عن الأهل بحسب الحال، وأن الريح تدل على الأخبار والتقلب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الريح تفسَّر بجهتها وما تحمله وما تصيبه، وللمكان أثر في الدلالة. وتختلف الآراء في هذا الباب، وتتباين الروايات في الصياغة. وتفصيل الريح في الصحراء بخصوصه أقل تناولًا في الكتب القديمة من الرموز الشائعة، فيعتمد فيه على القياس العام والنظر في حال الرائي ومرحلته.
يتغير المعنى بحسب السياق. فإذا كان الرائي يمشي بثبات والريح تهب من خلفه أو من جانبه بلطف، مالت القراءة إلى معنى التيسير في طريق طويل. وإذا كانت الريح تثير الرمال وتحجب الرؤية، فقد تعكس التباسًا في اتجاه ما يريده. ويؤثر كذلك هل كان معه ماء وزاد أو مرافقون، فمن كان معه ما يكفيه فقد يُقرأ حاله على استعداد، ومن كان وحده بلا زاد فقد يعكس شعورًا بقلة الدعم. وتهدأ الريح في نهاية الرؤيا أو اشتدادها يضيف قرينة.
الفتاة العزباء قد ترى في الريح بالصحراء إشارة إلى مرحلة من الاعتماد على نفسها في دراسة أو عمل أو سفر، أو إلى شعور بالاتساع وعدم وضوح الطريق. وقد تعكس رغبتها في تجربة جديدة بعيدًا عن المألوف. وإذا كانت ترى الأفق واضحًا فقد تميل القراءة إلى الأمل. وإذا كانت تائهة، فقد تكون دعوة إلى طلب مشورة وتحديد هدف. وكل ذلك احتمال لا يُقطع به، ولا يُبنى عليه قرار مصيري.
المرأة المتزوجة قد تعبّر الريح في الصحراء عندها عن شعور بالوحدة وسط المسؤوليات، أو عن انتقال أو سفر مع الأسرة، أو عن تغيّر في ظروف البيت يحتاج إلى صبر. وقد تدل على رغبتها في مساندة أوسع من الزوج والأهل. وإذا كانت حاملًا، فقد تعكس الرؤيا ما تشعر به من ترقب، ولا تُعد إشارة صحية ولا نصيحة طبية، فمرجع الحمل كله إلى الطبيب المختص. ويحسن أن تعبّر عما تحتاجه لمن حولها.
أما الرجل، فقد تدل الريح في الصحراء عنده على سفر أو عمل يبعده عن بيئته المعتادة، أو على مرحلة اختبار لقدرته على الصبر والتخطيط، أو على تجارة تتأرجح بين ربح وركود. وإذا كان يتقدم رغم الريح، فقد يُقرأ ذلك على أنه مثابرة. وإذا ضاق ذرعًا، فقد يعكس حاجته إلى إعادة التخطيط. وتبقى قراءة ظنية تُوزن بواقعه، ولا يُبنى عليها قرار حاسم.
ومن التفاصيل الدقيقة نوع الرمال ولونها، وهل كانت الريح تحرك الكثبان أم تثير غبارًا خفيفًا، وهل كان الرائي يرى واحة أو أشجارًا أو بئرًا في البعد. وتؤخذ بعين الاعتبار حرارة الجو وبرودته، ووجود قافلة أو مركبة أو مرافقين. فوجود معالم في الأفق يميل إلى الاهتداء، وغيابها يميل إلى التيه المؤقت. وكذلك وقت اليوم، فالصحراء ليلًا غيرها نهارًا في الدلالة الشعورية.
وفي الزاوية النفسية والعملية، قد تكون هذه الرؤيا انعكاسًا لشعور الرائي بالوحدة أو بأن الطريق طويل وغير واضح المعالم. وقد يفيد أن يرسم لنفسه خطة بخطوات قصيرة قابلة للقياس، وأن يطلب دعم من يثق بهم، وأن يحرص على راحته الجسدية. ومن المفيد أيضًا أن يتذكر ما شاهده قبل نومه، فقد تكون الصورة صدى لفيلم أو سفر أو كلام سمعه عن الطقس. وإن تكررت الأحلام وأثرت في يومه، فاستشارة مختص مناسبة، فالأحلام ليست نصيحة طبية.
يبقى هذا كله اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يرقى إلى اليقين، فقد يصيب وقد يخطئ. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يجعل الله ما رآه خيرًا وأن يصرف عنه كل ضيق وهمّ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سوى ذلك فاجتهاد قابل للصواب والخطأ.
