تظهر الريح في الشارع في المنام وقد مرّت بين الناس والمباني والمارّة، فيجد الرائي نفسه في قلب مشهد عام مفتوح. والأصل أن يُفهم أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تخبر بحدث محدد ولا تقطع بأمر قادم. وإنما هي صورة تُقرأ بأكثر من وجه، ويتحدد وجهها الأقرب بحال الرائي وما يعيشه. ولذلك تُفسَّر على سبيل الاحتمال والتأمل، ويُبتعد فيها عن التهويل مهما بدا المشهد مزدحمًا.
في الرمزية العامة، تدل الريح على الحركة والتغيّر وتبدّل الظروف، ويضيف الشارع معنى الحياة العامة والاحتكاك بالناس والطريق الذي يسلكه الإنسان في معاشه. وقد تشير الريح في الشارع إلى تغيّر في المحيط الاجتماعي أو في العمل أو في الأخبار المتداولة بين الناس. وقد تدل على مرحلة ينشغل فيها الرائي بما يدور حوله أكثر من انشغاله بداخله. ويبقى الميزان في شعوره وفي ما يصحب الصورة من تفاصيل.
نُسب إلى ابن سيرين أن الطريق في المنام قد يدل على المسلك وسبل العيش، وأن الريح تدل على الأخبار والتقلب بحسب قوتها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الريح تفسَّر بجهتها وما تحمله، وللمكان أثر في الدلالة. وتختلف الآراء في هذا الباب، وتتباين الروايات في الصياغة. وتفصيل الريح في الشارع بخصوصه أقل تناولًا في الكتب القديمة من الرموز الشائعة، فيعتمد فيه على القياس العام والنظر في حال الرائي ومرحلته.
يتغير المعنى بحسب السياق. فإذا كانت الريح لطيفة والشارع هادئًا، مالت القراءة إلى معنى التيسير في أمور المعاش والعلاقات. وإذا كانت قوية تبعثر ما في الطريق وتربك المارة، فقد تعكس تغيرات عامة في الأخبار أو الأسواق أو الأجواء من حول الرائي. ويؤثر كذلك موقفه، هل كان يحتمي في مدخل أم يواصل سيره أم يساعد غيره، فكل موقف يعبّر عن طريقة تعامله مع التغيير. وكذلك وقت اليوم وحال الشارع من هدوء أو ازدحام.
الفتاة العزباء قد ترى في الريح في الشارع إشارة إلى تغيّر في محيطها الدراسي أو المهني أو الاجتماعي، أو إلى انشغال بنظرة الناس إليها. وقد تعكس رغبتها في الاستقلال والانطلاق. وإذا كانت تمشي بثبات، فقد تُقرأ على أنها قدرة على مواجهة المحيط. وإذا كانت تحتمي وتتوارى، فقد تدل على حاجتها إلى أمان أكثر. وكل ذلك احتمال لا يُقطع به، ولا يُبنى عليه قرار مصيري.
المرأة المتزوجة قد تعبّر الريح في الشارع عندها عن مشاغل خارج البيت، كأمور المدرسة والأسواق والجيران، أو عن أخبار تصل من الخارج وتشغل بالها. وقد تدل على تنقلات كثيرة في يومها. وإذا كانت حاملًا، فقد تعكس الرؤيا انشغالها بما حولها، ولا تُعد إشارة صحية ولا نصيحة طبية، فمرجع الحمل كله إلى الطبيب المختص. ويحسن أن تنظم أوقاتها بما يريحها وتطلب العون عند الحاجة.
أما الرجل، فقد تدل الريح في الشارع عنده على تغيّر في السوق أو في بيئة العمل أو في تعاملاته اليومية، أو على أخبار عامة يتأثر بها. وإذا كان يمضي في طريقه رغم الريح، فقد يُقرأ ذلك على أنه ثبات وانشغال بما يعنيه. وإذا توقف حائرًا، فقد يعكس تردده بين خيارين. وتبقى قراءة ظنية تُوزن بواقعه، ولا يُبنى عليها قرار حاسم.
ومن التفاصيل الدقيقة ما تحمله الريح في الشارع من أوراق أو أكياس أو غبار، وهل كان المارّة متأثرين أم لا، وهل كانت اللافتات والأعلام تتحرك. وتؤخذ بعين الاعتبار أصوات المركبات والباعة وهل هي مرتفعة أم خافتة، وهل كان الرائي يعرف الشارع أم هو غريب عنه. فالشارع المألوف يميل إلى ارتباط التغيير بمحيطه المعتاد، والغريب يميل إلى تغيير أبعد عن المألوف. وتجمع هذه القرائن قبل الترجيح.
وفي الزاوية النفسية والعملية، قد تكون هذه الرؤيا انعكاسًا لانشغال الرائي بالأخبار العامة أو بضغوط الوسط الاجتماعي. وقد يفيد أن يقلل من متابعة ما يثير القلق، وأن يركز على ما يملك التأثير فيه من أمور يومه. ولا يخفى أن الأحلام تتأثر بالتعب وبما يشغل الذهن قبل النوم، فلا ينبغي تحميل الصورة الواحدة أكثر مما تحتمل. وإن تكررت الأحلام وأثرت في يومه، فاستشارة مختص مناسبة، فالأحلام ليست نصيحة طبية.
يبقى هذا كله اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يرقى إلى اليقين، فقد يصيب وقد يخطئ. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يجعل الله ما رآه خيرًا وأن يصرف عنه كل ضيق وهمّ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سوى ذلك فاجتهاد قابل للصواب والخطأ.
