رؤية استعادة حاسة التذوق في المنام، كأن يعود الرائي فيجد للطعام طعمه بعد غياب، صورة مريحة في الغالب. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تعني تحسنًا صحيًا فعليًا ولا تعد بأمر محدد. وإنما يقرؤها المفسرون على أنها تعبير عن عودة الإحساس بالأشياء والاستمتاع بها. ويختلف المعنى من شخص إلى آخر بحسب موقف الحلم وشعوره. ولذلك يحسن استقبالها بهدوء وتفاؤل مقرون بالواقعية.
اللسان يرمز إلى التعبير والبيان، ويرمز كذلك إلى حاسة التذوق التي بها يختبر الإنسان ما يمر به ويستمتع به. وعودة الطعم رمزيًا توحي بعودة النكهة إلى الأيام وبانتهاء فترة فتور، فقد تدل على استعادة الشغف بما كان يحبه الرائي. وقد تدل على تعاف نفسي بعد إرهاق أو حزن. ويدخل في الرمز كذلك أن الإنسان قد يفتح عينه من جديد على نعم صغيرة كان قد اعتادها. وهذه كلها احتمالات يرجح بينها سياق الرؤيا.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقله المفسرون أن عودة الحاسة في المنام تُعبَّر بعودة ما يتصل بها من أمور، وأن الذوق يتبع حال الآكل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رجوع ما فُقد يميل إلى معنى الفرج بعد الضيق، بحسب القرائن. وتتفاوت الأقوال في ذلك، فبعضهم يوسع في المعنى الحسن وبعضهم يتحفظ ويطلب القرائن. واستعادة التذوق بعينها من الصور الدقيقة النادرة في الكتب القديمة، فمعظم ما يُقال فيها اجتهاد بالقياس. فلا يصح الجزم بمعنى واحد.
يرجح السياق كثيرًا من المعنى. فإن كان الرائي فرحًا بعودة الطعم وهو يأكل طعامًا يحبه فالأقرب أن الصورة تشير إلى عودة الشغف والسرور. وإن عاد الطعم ضعيفًا أو مشوشًا فقد تعكس الرؤيا تحسنًا جزئيًا لا يزال يحتاج إلى وقت. ويفيد النظر في بقية المشهد، فوجود أشخاص يشاركونه الطعام يميل إلى معنى عودة الدفء في العلاقات. ويفيد تذكر ما سبق النوم من تحسن في الحال أو إنجاز بعد تعب.
العزباء قد ترى في استعادة التذوق تعبيرًا عن عودة حماسها بعد فتور، أو عن انفراج في حال كانت فيه متعبة. وقد تعكس الرؤيا عندها بداية مرحلة جديدة أكثر حيوية. أما المتزوجة فقد يتصل المنام عندها بعودة الدفء إلى روتين البيت أو بتحسن مزاجها بعد إرهاق. وليس في ذلك جزم، والمعنى يتبع ظروفها. ومن المفيد أن تبني على هذا الإحساس بخطوات صغيرة تدعمه.
الرجل قد يجد في الصورة انعكاسًا لتجاوز مرحلة ضغط أو رتابة في العمل، أو لعودة شغفه بما يحب. وقد تدل عند آخر على تعاف بعد حزن أو مرض. والمرأة الحامل قد تتأثر أحلامها بتغير حاسة التذوق في الحمل، فلا ينبغي تحميل الصورة أكثر مما تحتمل. وإن كان أي رائٍ في اليقظة قد فقد حاسة التذوق وتأخرت عودتها أو عادت مشوشة فعليه مراجعة الطبيب، فالحلم لا يغني عن الفحص. وكذلك كل مريض يتعافى ينبغي أن يتابع حالته مع مختص.
من التفاصيل الدقيقة طريقة العودة، فإن كانت تدريجية فهي أقرب إلى معنى التحسن البطيء الثابت، وإن كانت مفاجئة فهي أقرب إلى معنى الفرج المفاجئ. ويؤثر كذلك نوع الطعام الذي عاد طعمه، فالطعام المحبب أقرب إلى معنى عودة الشغف، والماء أقرب إلى معنى عودة الراحة. وإن عاد الطعم مع رائحة طيبة فالمعنى أقرب إلى انتعاش شامل. وإن شعر الرائي بالامتنان فالمعنى أقرب إلى الرضا. وكل ذلك قراءة رمزية لا ترقى إلى اليقين.
ويتأثر المعنى كذلك بما سبق من فتور، فمن كان يمر بفترة رتابة طويلة قد يرى هذه الصورة تعبيرًا عن أمل في التغيير، ومن كان في حال جيدة قد يراها تأكيدًا لسروره. وقد تكون الصورة أيضًا انعكاسًا لتحسن فعلي في الأنف والحلق بعد نزلة برد أو التهاب، فالنوم يترجم الأحاسيس الجسدية إلى صور. ولذلك يحسن أن يقارن الرائي حاله في الحلم بحاله في اليقظة. وبهذه المقارنة يتضح ما إذا كان الحلم صدى جسديًا أو رمزًا نفسيًا. وفي الحالين لا بأس بالفرح بالصورة الطيبة.
ومن الناحية النفسية العملية قد تعبر الرؤيا عن أمل في العودة إلى الاستمتاع بالحياة. ويستطيع الرائي أن يستفيد منها بالانتباه إلى النعم الصغيرة وتجديد ما يحب من أنشطة، وبالمحافظة على النوم الجيد والغذاء المتوازن. وليس الحلم نصيحة طبية، فإن وُجد في الواقع فقدان أو تغير في حاسة التذوق أو ألم أو تورم في اللسان فمراجعة الطبيب هي الطريق الصحيح ولا ينبغي تأجيلها. ومما يعين على الاستمرار في التحسن الصبر والمتابعة مع المختصين. ولا ينبغي أن تبنى على الرؤيا قرارات مصيرية.
وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس وعدًا ولا خبرًا قاطعًا عما سيقع. وحسن الظن بالله خير ما يستقبل به الرائي رؤياه، ويحسن أن يدعو الله بالعافية والتمام وشكر النعمة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما التأويل إلا قراءة للرموز بقدر الطاقة. فليمضِ الرائي إلى يومه مطمئنًا، وليأخذ منها ما يعينه على تقدير ما لديه.
