رؤية الإنسان نفسه يتكلم بلغة لا يعرفها من الرؤى الغريبة التي تترك أثرًا من الدهشة بعد الاستيقاظ. قبل الدخول في التفسير يحسن التذكير بأن الرؤيا رمزية في أغلبها وليست حرفية، فالمتكلم في الحلم قد لا يعرف معنى ما يقوله ومع ذلك يشعر أنه يفهم نفسه. لذلك لا يصح أن تؤخذ هذه الصورة على أنها خبر عن واقع قادم أو دليل على موهبة في اللغات. الأقرب أن تُقرأ كإشارة إلى حال الرائي في التعبير عن نفسه وفي تواصله مع من حوله. وما يأتي من معانٍ هو احتمالات تتفاوت بحسب تفاصيل الحلم وظروف صاحبه.
اللسان في عالم الرؤى يرتبط بالتعبير والبيان وبطريقة الإنسان في إيصال ما في داخله إلى غيره. فإذا انتقل هذا اللسان إلى لغة غريبة فقد يشير إلى أن الرائي يحاول قول شيء ولا يجد له قالبًا مألوفًا يناسبه. وقد يدل أيضًا على الانفتاح على بيئة جديدة أو ثقافة مختلفة يتعلم الرائي أن يخاطب أهلها بما يفهمونه. وهكذا تكون اللغة الغريبة في الحلم صورة للمسافة بين ما يريد المرء قوله وما يستطيع الآخرون استقباله. وهذه المعاني رمزية لا تعني شيئًا بعينه إلا بقدر ما تطابق حال صاحب الرؤيا.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الكلام بغير المعتاد من الألسنة قد يدل على سفر أو على مخالطة قوم يختلفون عن الرائي في عاداتهم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اتساع لسان الرائي بلغات متعددة قد يشير إلى سعة في المعرفة أو الاطلاع. غير أن آراء المفسرين تختلف في مثل هذه الصور، وبعضها يميل إلى التفاؤل وبعضها إلى التحفظ. كما أن هذا الرمز بصورته المحددة أقل تناولًا في الكتب القديمة من رموز أكثر شيوعًا كالمشي أو الطعام. ولذلك يحسن أن يُعامل ما يُنسب إلى الأقدمين هنا على أنه إشارات عامة لا نصوص قاطعة.
للسياق أثر كبير في فهم الرؤيا، فالكلام بلغة غريبة وسط جمع يصغي باهتمام يختلف عن الكلام بها وسط جمع يضحك أو يستغرب. إن كان الرائي مرتاحًا وهو يتكلم فذلك أقرب إلى القدرة على التكيف مع الجديد. وإن كان قلقًا لأن أحدًا لا يفهمه فقد يعكس شعورًا بعدم الفهم في موقف حقيقي مع زملاء أو أسرة. ويُنظر كذلك إلى وضوح الصوت وتدفق الكلام، فالكلام المتدفق الجميل أخف وطأة من كلام متعثر مرتبك. وتفاصيل المكان والأشخاص الحاضرين تضيف إلى الصورة دلالات يتفاوت أثرها.
إذا رأت الفتاة العزباء أنها تتكلم بلغة لا تعرفها فقد يشير ذلك إلى مرحلة جديدة تتهيأ لها، كدراسة أو عمل أو معرفة بأشخاص من بيئة مختلفة. وقد يعبّر أيضًا عن رغبتها في أن يفهمها المحيطون بها على حقيقتها دون أن تضطر إلى الشرح الطويل. وأما المرأة المتزوجة فقد ترمز الرؤيا في حقها إلى حوار مع شريك أو أهل لا يلتقي فيه الطرفان على لغة مشتركة في التعبير عن المشاعر. وقد تدل كذلك على حرصها على تعلم أسلوب جديد في التفاهم داخل البيت. وفي كل ذلك يبقى الأثر مرتبطًا بما تشعر به أثناء الحلم وبعده.
ورؤية الرجل لنفسه يتكلم بلغة غير معروفة قد تتصل بعمله ومعاملاته، خاصة إن كان يتعامل مع جهات أو عملاء يختلفون عنه في الثقافة أو الاختصاص. وقد تشير إلى حاجته لتبسيط عباراته حتى يصل مراده إلى من يخاطبهم. وأما المرأة الحامل فقد تعكس الرؤيا انشغالها بمرحلة جديدة لا تعرف لغتها بعد، أي أمومة تحمل تجربة غريبة عليها وتتعلم أن تفهمها يومًا بعد يوم. وهذا التفسير نفسي في جوهره، وهو لا يغني عن متابعة الطبيب في أي أمر يخص الحمل. والطالب أو المسافر قد يجد في الرؤيا صدى لما يعيشه من تحدي التواصل في بيئة جديدة.
تفاصيل الحلم الدقيقة تقرّب المعنى أو تبعده، فمن ذلك نوع اللغة إن بدت مألوفة الإيقاع أو بعيدة، وهل كان للكلام مستمعون يتفاعلون معه أو كان الرائي وحده. وإن ظهر في الحلم مترجم يشرح ما قيل فقد يدل على وجود من يعين الرائي في إيصال فكرته في الواقع. وإن فهم الرائي كلامه بعد الاستيقاظ أو تذكر منه كلمات فقد يُقرأ ذلك على أنه اقتراب من وضوح فكرة كانت غامضة. أما إن اختفت التفاصيل وبقي الإحساس العام فقط فيكفي الاعتماد على ذلك الإحساس من ارتياح أو ارتباك. وليس في هذه التفاصيل قاعدة ثابتة، إنما هي قرائن تُجمع بحذر.
من الزاوية العملية والنفسية قد تكون هذه الرؤيا انعكاسًا لانشغال الذهن بمهمة تتطلب شرحًا أو عرضًا أو مناقشة. فالعقل في النوم يعيد تركيب ما مرّ بالنهار من مواقف، ومنها مشاهدة مقاطع بلغات أجنبية أو التفكير في رحلة أو دراسة. ويمكن للرائي أن يسأل نفسه هل هناك أمر يعجز عن شرحه لأحد، ثم يجرب كتابته على ورقة بعبارات بسيطة. كما قد يفيده أن يخصص وقتًا لتعلم مهارة تواصل أو لغة يحتاجها فعلًا. وخطوة صغيرة كهذه تحول الحيرة إلى تقدم هادئ، وتجعل الحلم مناسبة للتأمل لا للقلق.
والحلم ليس نصيحة طبية ولا تشخيصًا لحالة. فإن صاحبت الرؤيا في اليقظة صعوبة في إخراج الكلمات أو اضطراب مفاجئ في النطق أو دوار أو ثقل في اللسان، وجب عرض الأمر على طبيب مختص دون تأخير. أما إن كان الأمر مجرد حلم عابر دون أعراض فلا داعي لتحميله أكثر مما يحتمل. ويحسن ألا يبني الرائي قراراته الكبرى على منام واحد مهما بدت صورته لافتة. وإنما يُنظر إليه كإشارة تأمل خفيفة تُوزن بالعقل والتجربة وبمشورة أهل الخبرة.
وخلاصة القول أن التكلم بلغة غير معروفة في المنام يُفسَّر غالبًا بالحيرة في التعبير أو بالانفتاح على تواصل جديد مع من يختلف عن الرائي. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس فيه جزم بما سيقع. والأولى لصاحب الرؤيا أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالخير والتيسير وانشراح الصدر. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويطمئن إلى فضل ربه. جعل الله أيامك مليئة بالفهم والتفاهم وصفاء الكلام.
