قد يرى الإنسان في منامه سلحفاة تتسلق منحدراً أو تعبر طريقاً طويلاً أو تعود إلى المحاولة بعد أن تعثرت، وفي كل مرة تواصل المسير ولا تستسلم. وهذه صورة قوية تلامس شعور من يعمل على هدف بعيد ويشعر أحياناً بأن جهده لا يظهر أثره. والتفسير في هذا الباب رمزي لا يُحمل على ظاهره، وما يرد هنا قراءات محتملة لا تخبر بنتيجة عمل ولا بنجاح أو إخفاق، فالأمور بيد الله وحده.
المثابرة معنى متصل بالسلحفاة في الأذهان، لأنها تمضي بخطى صغيرة منتظمة ولا تنشغل بسرعة غيرها. ولذلك يقرؤها المتأخرون رمزاً للدأب والاستمرار حتى مع بطء النتائج، وللثقة بأن الخطوة اليسيرة المتكررة أبلغ من الاندفاع المتقطع. وصدفتها تُقرأ على أنها ما يمنح المثابر قدرة على تحمل الصعاب، فهي حماية تسمح له بمواصلة الطريق. وقد تدل أيضاً على أن الطريق أطول من المتوقع، فيستحسن أن يتزود الرائي بنفس طويل وبرفق بنفسه.
ومن الأمانة أن نقول إن كتب التعبير القديمة لم تُفرد للسلحفاة باباً واسعاً، فما يُقال في معنى المثابرة هو من قياس المتأخرين وليس نصاً من الأوائل. ونُسب إلى ابن سيرين أن الدابة تُحمل على ما اشتهر من طباعها، ولا نعثر عنده فيما نعلم على نص خاص بالسلحفاة. وذهب بعض المفسرين إلى أن الحيوان الذي يسير على مهل ولا ينقطع يدل على حاجة تُقضى بعد صبر. وقد تفاوتت آراء المفسرين، فلا يُعتمد على قول واحد.
ويتغير المعنى بحسب مشهد المثابرة، فسلحفاة تصعد تلاً وعراً قد تُقرأ على أنها جهد يتطلب عزيمة أكبر مما يتصور صاحبه. وسلحفاة تقع ثم تنهض قد تُقرأ على أنها رجوع بعد تعثر وعدم استسلام. وسلحفاة تعبر طريقاً مزدحماً بهدوء قد تُقرأ على أنها ثبات وسط ضغوط. وإن كان الرائي نفسه يشارك في الحلم بالتشجيع أو المساعدة فقد يُقال إنه مستعد لبذل الجهد، وهي أمور يحتملها اللفظ ولا يقطع بها.
وإذا كان الرائي رجلاً فقد يُقرأ المنام على أنه تقدير لجهد طويل يبذله في عمل أو دراسة أو بناء أسرة، مع دعوة إلى ألا يفقد حماسه رغم بطء الحصاد. وإن كان صاحب مشروع فقد يتصل بالصبر على مرحلة التأسيس. وإن كان مريضاً أو يتعافى من أمر فقد يتصل بالتدرج في التحسن. وكل هذا لا يعدو أن يكون تأملاً.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة فقد يُقرأ المنام على أنه رمز لمثابرتها في دراستها أو عملها أو في بناء حياتها خطوة بعد خطوة. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بصبرها على أعباء البيت والأبناء واستمرارها في العطاء. وللحامل قد يوحي بتحمل مشقة الحمل وانتظار الولادة في صبر. وللأم قد يرمز إلى جهد التربية الطويل، وهو جهد لا يُرى أثره أحياناً إلا بعد حين.
ومن التفاصيل الدقيقة ما يتعلق بالطريق، فالطريق الوعر يدل على صعوبة ظاهرة، والطريق المستوي يدل على أن الأمر ميسر وإن طال. وإن كان في آخره ضوء أو ماء أو حديقة فقد يُفهم منه أمل بنهاية طيبة، وإن لم يظهر شيء فلا يُحمل على سوء. وإن كانت السلحفاة وحدها فالمثابرة فردية، وإن كان معها غيرها فقد تعني عملاً جماعياً أو دعماً. وهذه تفريعات تقريبية.
وفي الجانب النفسي والعملي، فإن المثابرة لا تعني الإرهاق، بل تعني الاستمرار الذكي مع فترات راحة. ومن الحسن أن يقسم المرء هدفه إلى مراحل، ويحتفل بالإنجازات الصغيرة، ويراجع طريقته إن لم تُجدِ. ويفيد أن يتجنب المقارنات المجحفة وأن يحيط نفسه بمن يشجعونه. وإن شعر بإنهاك شديد فالتوقف المؤقت للراحة ليس تراجعاً، بل هو شحن للطاقة كما تستريح السلحفاة في ظل صدفتها.
ومما يحسن ذكره أن المثابرة الجميلة هي التي تُراجَع من حين لآخر، فقد يكون الطريق الذي يسلكه الإنسان بحاجة إلى تعديل لا إلى تكرار أعمى. وهنا يكون أهم ما في صورة السلحفاة أنها تتقدم بحذر وتتفقد طريقها ولا تسير مغمضة العينين. فالمثابرة مع الفهم أقرب إلى الحكمة منها مع العناد.
ويجدر بالرائي ألا يغفل أن كثيراً من أحلام المثابرة تأتي في فترات الضغط الدراسي أو المهني، فيكون المنام تعبيراً عن الحمل الذي يحمله وليس نبوءة بما ينتظره. وفي هذه الحال يكفيه أن يأخذ من الصورة روح الاستمرار الهادئ، وأن يطمئن بأن جهده لا يضيع عند الله مهما بدا بطيئاً. وليحذر من أن يجعل المنام ذريعة للتواكل، فالسلحفاة في الصورة تتحرك ولا تنتظر أن يُحمل إليها ما تريد.
وفي الختام فإن تأويل الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي كترك عمل أو الاستمرار في أمر بلا نظر. فليأخذ المرء بالأسباب وليستشر أهل الخبرة، وليدع ربه بالتوفيق وليحسن الظن به. وعلم الغيب عند الله وحده، ومن أخلص في سعيه وأحسن فيه رجا من ربه الخير.
