قد يرى الإنسان في منامه أنه يشتري سلحفاة من متجر للحيوانات أو من بائع في سوق، فيفاوض على الثمن ويحملها في كيس أو صندوق. وهي صورة عادية في ظاهرها لكنها تثير الفضول، ويسأل صاحبها عن مغزاها. ونقدم بأن التفسير رمزي عام لا يعني حدوث شراء حقيقي أو غيره، فالأحلام تُنسج من أفكار الإنسان وما يحيط به. وما نذكره قراءة احتمالية لا حكم قاطع.
والسلحفاة عند المتأخرين رمز للصبر والتؤدة وطول العمر والحماية. وشراؤها يعني الإقدام على اقتناء هذه المعاني أو ما يشبهها، فهو بمثابة قرار بالدخول في أمر طويل الأمد. وقد يدل على أن الرائي مقبل على مشروع أو علاقة أو التزام يحتاج إلى نفس طويلة. ولأن الشراء فيه معنى الثمن، فقد يرمز إلى أن لهذا الأمر كلفة من وقت وجهد وعناية، وهي كلفة مقبولة في سبيل الطمأنينة.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الشراء أن من اشترى شيئاً في المنام فقد يقبل على أمر جديد ويتحمل تبعته، وأن الثمن يدل على كلفة ذلك، وهي قاعدة عامة لا يُجزم بنسبتها الدقيقة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن شراء الدواب الوديعة قد يدل على كسب ألفة أو بركة. ونقول بصراحة إن السلحفاة أقل ذكراً في أقدم كتب التعبير من غيرها، ولذلك فأكثر ما يقال عنها قياس واجتهاد من متأخري المفسرين. وقد اختلفوا في ذلك، ولا يصح توجيه أي قول إلى شخص بعينه أو فئة بعينها.
ويتغير المعنى بتغير الثمن والبائع والحالة. فإن كان الثمن يسيراً فقد يدل على أمر سهل المنال، وإن كان غالياً فقد يدل على أمر يتطلب بذلاً أكبر. وإن اشتراها من بائع أمين مبتسم فهذا يوحي بمعاملة طيبة، وإن شك في البائع فقد يدل ذلك على ضرورة التروي والتدقيق قبل أي التزام. وسلامة السلحفاة وصحتها تدل على سلامة ما يقبل عليه، ومرضها قد يدل على الحاجة إلى مزيد من الفحص.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل شراء السلحفاة على قرار بالدخول في دراسة أو عمل أو التزام جديد بتأن. وقد يُقرأ كذلك على أنها تسعى إلى اكتساب هدوء وصبر في تعاملها. وإن كانت مترددة في الحلم فقد يعني ذلك أنها تحتاج إلى استشارة قبل الإقدام. وكل ذلك احتمالات رمزية.
وللمرأة المتزوجة قد يدل على اهتمام بأمر في البيت تتحمل تكلفته بصبر، وللرجل قد يشير إلى مشروع أو استثمار طويل الأمد. وللتاجر قد يرمز إلى بضاعة بطيئة الدوران لكنها مستقرة. ولا يصح اعتبار الحلم نصيحة مالية أو دعوة للشراء، فمثل هذه الأمور تُبنى على الدراسة والمشورة.
ومن التفاصيل الدقيقة هل اشتراها الرائي لنفسه أم هدية لغيره، فالهدية توحي بنية طيبة. وهل كانت معها أدوات رعاية كحوض أو غذاء، فذلك يدل على استعداد كامل للمسؤولية. وهل دفع نقداً أم بالأجل، فالنقد يدل على حسم والأجل على التزام ممتد. وهل كان الشراء من مكان نظيف منظم، فذلك يضيف طمأنينة للتأويل.
ومن الناحية النفسية قد تعبر الرؤيا عن رغبة في التغيير نحو حياة أبطأ وأهدأ، أو عن حاجة إلى رفيق هادئ. وفيها دعوة للتفكير قبل الإقدام على أي التزام، فالسلحفاة تُشترى لتعيش سنين طويلة ولا تُترك بعد حين. فمن الحكمة أن يسأل المرء نفسه هل هو مستعد للصبر على ما يقبل عليه. والاستخارة والمشورة من أحسن ما يعين على القرار.
وقد يكون الحلم أثراً لإعلان رآه الرائي أو متجر مر به. ولا داعي لتحميله معنى فوق ما يحتمل. ومن الخير أن نطمئن إلى أن الأحلام تتنوع بين رموز ذات دلالة وأضغاث خالية منها. وإذا شغلنا شيء منها فالأولى أن نشغل أنفسنا بالذكر والعمل النافع.
ويحسن أن ننظر إلى الصورة من زاوية الاستعداد لا من زاوية الصفقة. فالسلحفاة تحتاج إلى بيئة مناسبة ورعاية طويلة، ومن اشتراها في المنام فقد يكون في حياته قرار يتطلب استعداداً نفسياً وعملياً مماثلاً. والرؤيا قد تكون تذكيراً بأن الأمور الجادة لا تُبنى على اندفاع اللحظة. وهذا المعنى التربوي لا يتوقف على صحة التفسير التفصيلي، فهو نافع في كل حال.
ويرى بعضهم أن ما يُشترى في المنام قد يعبر عن رغبات دفينة، فشراء السلحفاة قد يكشف شوقاً إلى حياة أهدأ أو إلى رفقة بسيطة بلا ضجيج. وفي ذلك دعوة للرائي إلى أن يخصص لنفسه وقتاً للراحة والمشي والتأمل. ولا يلزم من الحلم أن يشتري شيئاً حقيقياً، فالمعنى في الرمز لا في الشراء. وكل ذلك استئناس ظني لا يُقطع به.
وخلاصة ما سبق أنه اجتهاد بشري ظني قد يخطئ ويصيب، ولا يجوز أن يكون أساساً لقرار حقيقي في شراء أو مال أو عمل أو زواج. والأولى أن يقابل الرائي ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وسؤاله الخير. فالغيب مما استأثر الله بعلمه، وما نذكره لا يتجاوز حدود التأمل في الرموز. والله أعلم.
