يحدث أن يرى النائم أنه يقدم لسلحفاة طعاماً، ورقة خس أو قطعة فاكهة أو حبات صغيرة، ويراقبها وهي تأكل ببطء وهدوء. وهو مشهد وديع يبعث على الرضا، وكثيراً ما يستيقظ صاحبه مبتسماً ثم يتساءل عن معناه. ونقدم لتفسيره بأنه رمزي عام لا يقطع بوقوع شيء بعينه، فالمنامات صور تتأثر بخواطر الرائي وأحواله. وما يُذكر محاولة لفهم الرمز على وجه الاحتمال، لا حكم ثابت.
والسلحفاة في الرموز التي يتداولها المتأخرون هي الصبر والتأني والحماية وطول العمر. وإطعامها يضيف معنى العطاء والإحسان، فصاحب الحلم يمد يده بالخير لكائن بطيء ضعيف لا يطلب كثيراً. وقد يدل ذلك على أن الرائي معطاء بطبعه، أو أنه مقبل على عطاء صغير مستمر يثمر مع الزمن. والسلحفاة تأكل على مهل، وكذلك العطاء الحقيقي كثيراً ما تظهر ثمرته بالتدرج.
نُسب إلى ابن سيرين في باب إطعام الحيوان أن من أطعم حيواناً في المنام فقد يحسن إلى من هو دونه أو يتصدق، ولا يُجزم بدقة النسبة، فهي من القواعد المنقولة عموماً. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الإحسان إلى الدواب الوديعة يدل على سعة الرزق وحسن العاقبة. ونقول بصراحة إن السلحفاة ليست من الحيوانات التي أفاض أصحاب أقدم كتب التعبير في وصفها، ولذلك فأكثر هذه الأقوال قياس واجتهاد من المتأخرين. وقد اختلفوا في الترجيح، ولا يصح توجيه شيء منها إلى شخص بعينه أو فئة بعينها.
ويتغير المعنى بنوع الطعام وكيفية تقديمه. فالطعام الأخضر الطازج يوحي بخير ونماء، والطعام اليابس قد يوحي بعطاء يحتاج إلى جهد. وإذا قدمه من يده مباشرة فهو عطاء شخصي قريب، وإذا وضعه في وعاء فهو عطاء منظم. وإذا أكلت السلحفاة بنهم فهي علامة على أن العطاء وقع في موضعه، وإذا امتنعت فقد يدل ذلك على أن الأمر يحتاج إلى وقت وإلى صبر. ومشاعر الرائي من سعادة أو قلق تضيء الصورة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الصورة على قلب رحيم وعناية بمن حولها، وعلى بذل في سبيل خير تحتسبه. وقد تُقرأ كذلك على أنها تغذي فكرة أو علماً أو موهبة بجهد متواصل. وإن كانت السلحفاة جائعة في الحلم فقد يعني ذلك أن هناك حاجة عند أحد من المقربين إلى عنايتها. وكل ذلك احتمال لا يقطع به.
وللمرأة المتزوجة قد تدل على العناية بأهل بيتها وإطعامهم والاهتمام بهم، وهو عطاء يومي صامت ذو ثواب، وقد يعبر الحلم عن تقدير رمزي لهذا الجهد. وللرجل قد تدل على الإنفاق على من يعول وعلى كرم هادئ، وللتاجر قد تدل على استثمار صغير يُنمى بصبر. ولا يعد هذا حكماً في أمر من أمور المال، وإنما هو استئناس بالرمز.
ومن التفاصيل المهمة هل كان الطعام من مال الرائي أم من أرض الحديقة، وهل كان يطعمها وحده أم مع أطفال. فمشاركة الأطفال تدل على تعليمهم الرحمة، وكون الطعام من الأرض يدل على بركة البيئة. وهل كانت هناك سلاحف كثيرة تتجمع، فكثرتها قد تدل على اتساع دائرة المحتاجين أو المستفيدين. وهل أكملت السلحفاة طعامها وانصرفت بهدوء، فذلك يدل على اكتمال أمر بلا كلفة.
ومن الجانب النفسي قد تعكس الرؤيا حاجة داخلية إلى العطاء، أو رغبة في أن يكون الإنسان نافعاً لغيره. وفيها تذكير بأن الإحسان لا يحتاج إلى ضخامة، فالعطاء الصغير المنتظم يصنع أثراً عميقاً. ومن الجميل أن يبحث الرائي عن عمل خير بسيط يداوم عليه، كإطعام طير أو سقي نبتة أو مساعدة جار. والعطاء يريح القلب ويوسع الصدر.
ولا ننسى أن بعض الأحلام ليست إلا أثراً لما شاهده الإنسان في يومه، كأن يكون قد رأى سلحفاة تأكل أو قرأ عن العناية بالحيوانات. وفي هذه الحال لا يستدعي الأمر أكثر من ابتسامة. ومن الحكمة أن نتعلم الاعتدال في التعامل مع الرؤى، فلا نهملها إهمالاً تاماً ولا نبالغ فيها. والتوكل على الله والدعاء أجدى من التفتيش الطويل.
ويستأنس بعض المفسرين المعاصرين بأن الطعام في المنام قد يرمز إلى العلم والمعرفة والعاطفة، فإطعام السلحفاة قد يكون تغذية لعلاقة أو عادة نافعة تنمو بصمت. وإذا كان الرائي يطعمها بحنو وهي تقبل بهدوء فقد يكون ذلك إشارة رمزية إلى أن جهده يقع في موضعه. وهذا فهم تأملي ظني، لا يلزم أحداً ولا يُحمل على أنه وعد بشيء. والأولى أن يكتفي المرء منه بأن يزداد رفقاً بمن حوله.
ومن اللطائف أن السلحفاة لا تلتهم الطعام بسرعة، بل تتناوله قطعة قطعة، وكأنها تعلّم الناظر آداب الأكل والتأني. ومن رأى ذلك في منامه فقد يتذكر قيمة القناعة والاعتدال. فليس كل عطاء يحتاج إلى استعجال رد الجميل، وليس كل نعمة تُستهلك دفعة واحدة. وهذه الخواطر الهادئة هي أقرب ما يستفاد من الرؤيا.
وخلاصة القول إن هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو زواج أو سفر. والأولى بالرائي أن يقابل ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وسؤاله الخير. فالغيب مما اختص الله بعلمه، وما نقوله لا يعدو التأمل في الرموز. والله أعلم.
