يحدث أن يرى الإنسان في منامه سلحفاة تسير خلفه وتلحق به أينما اتجه، تبطئ حين يبطئ وتواصل حين يمضي، وكأنها اتخذته رفيقاً لها. وهذه الصورة من الصور الودودة التي قد تترك في النفس أثراً من الطرافة والدهشة، وقد يسأل صاحبها عن معناها. وينبغي أن نقدم لها بأن التفسير رمزي عام، ولا يعني أن شيئاً بعينه سيقع في الواقع. فالرؤيا تتألف من صور تتأثر بما في النفس من أفكار وأماني ومشاغل، وما يُقال عنها فهو محاولة للفهم لا قطع بالنتيجة.
والسلحفاة في الرموز المتداولة عند المتأخرين تدل على الصبر والخطو الثابت وطول العمر، وعلى البيت الذي يُحمل على الظهر فيمنح صاحبه شعوراً بالأمان. وحين تلحق بالرائي فإن معنى التبعية يضاف إلى هذه المعاني، فتصير أقرب إلى أمر هادئ يرافق صاحبه ولا يفارقه. وقد يكون هذا الأمر عادة أو مسؤولية أو ذكرى أو فكرة تظل تتبعه بخطوات بطيئة لكنها دائمة. وقد يكون كذلك رمزاً لشيء نافع يأتي إليه على مهل دون أن يطلبه بإلحاح.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات الأليفة أن الحيوان الذي يتبع صاحبه ويألفه يدل على من يلازمه من الأتباع والأهل والمعارف، ولا يُجزم بدقة نسبة هذا القول إلى صاحبه في موضع السلحفاة تحديداً. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مصاحبة الدواب الوديعة في المنام قد تُفسر بالألفة وراحة البال. ونقول بصراحة إن السلحفاة ليست من الحيوانات التي استقصاها أصحاب الكتب الأقدم في التعبير، ولذلك فالقراءات الحديثة أكثرها قياس واجتهاد. وقد اختلف المفسرون في هذه التفاصيل، ولا يصح أن يُوجه أي قول منها إلى شخص بعينه أو فئة بعينها.
ومما يغير المعنى مسافة السلحفاة من الرائي. فإن كانت قريبة تكاد تلمس قدميه فقد يرمز ذلك إلى أمر شديد الصلة به لا يغيب عن باله، وإن كانت بعيدة تلهث في اللحاق به فقد يرمز إلى أمر يتأخر عنه ويتمنى أن يلحق به. وإن كانت تلحق به بسرعة غير معتادة فقد يدل ذلك على تسارع في أحداث كان يظنها بطيئة. وكذلك يتغير التأويل بحجمها ومكانها ومشاعر الرائي، فمن ارتاح لها فهو إلى القبول أميل، ومن ضاق بها فقد يكون في نفسه ما يتمنى التخفف منه.
وللفتاة غير المتزوجة قد تُفسر الصورة على أنها اهتمام هادئ يحيط بها من أهلها أو من صديقات مخلصات، أو على أنها فكرة جميلة تلازمها في مرحلة من حياتها. وقد تُقرأ كذلك على أنها وفاء وصبر في أمر تسعى إليه. وإن كانت السلحفاة مزعجة في الحلم فقد يعني ذلك إلحاحاً من فكرة تثقلها. وكل ذلك احتمال لا يُقطع به.
وللمرأة المتزوجة قد تدل على أمور البيت التي تلازمها بإيقاع هادئ، وعلى شعور بالأمان إذا كانت مطمئنة للمشهد. وللرجل قد تشير إلى مسؤولية أو التزام أو شريك درب يمضي معه بصبر. وللتاجر قد ترمز إلى عميل وفي أو إلى عمل يتحرك ببطء لكنه يتبعه بثبات. وهذه قراءات تقريبية تختلف بحسب القرائن.
أما التفاصيل الدقيقة فمنها هل كانت السلحفاة وحيدة أم معها صغارها، فمرافقة الصغار قد توحي بالبركة والاتساع في الصحبة، ووحدتها قد توحي بأمر شخصي. ومنها هل كان الرائي يمشي في أرض معشوشبة أم قاحلة، فالأرض الخضراء توحي بخير وسكينة، والقاحلة بحاجة إلى مزيد من الجهد. ومنها هل توقف الرائي والتفت إليها أم تجاهلها، فالالتفات يدل على عناية بما يلازمه، والتجاهل قد يدل على تأجيل. وإن حملها في آخر الحلم فقد يُقرأ ذلك على قبول الأمر وتحمل تبعاته.
وفي الجانب النفسي يمكن أن تكون الصورة تعبيراً عن ظل فكرة أو التزام يتبعنا ببطء مثل الذكريات أو الوعود أو الأهداف الطويلة. وربما دعت الرائي إلى التوقف مرة والنظر فيما يتبعه: هل هو عبء ينبغي تخفيفه أم رفيق نافع ينبغي رعايته. ومن الحسن أن يمنح الإنسان نفسه وقتاً لفرز ما يلازمه من أمور. وكما أن السلحفاة تسير على مهل ولا تنقطع، فكذلك يمكن للمرء أن يستمر في جهده الهادئ دون استعجال ودون مقارنة نفسه بغيره.
وقد يكون الحلم أحياناً مجرد صدى لمشهد رآه الإنسان في فيلم أو حديقة أو كلام عن الحيوانات، وفي هذه الحال لا يحتاج إلى تأويل عميق. ومن الخير ألا يشغل المرء نفسه بالتفتيش في كل صورة، وأن يوجه اهتمامه إلى ما ينفعه في يومه. وإذا أحس بشيء من القلق فليعالجه بالذكر والصلاة ومحادثة من يثق به. فالسكينة أولى من الانشغال بتفاصيل لا يقين فيها.
وخلاصة القول إن ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يجوز أن يكون أساساً لقرار حقيقي في عمل أو زواج أو سفر أو علاج أو مال. وحسن ما يفعله الرائي أن يدعو ربه ويحسن الظن به ويسأله الخير في كل أمر. فالغيب مما اختص الله بعلمه وحده، وما نقوله لا يتجاوز حدود التأمل في الرموز. والله أعلم.
