يرى بعض الناس في منامهم سلحفاة وقد انقلبت على ظهرها وبقيت تحرك أطرافها في الهواء، وهو مشهد يثير الشفقة والرغبة في المساعدة. هذه الرؤيا من الرؤى التي تتكرر عند كثيرين، وغالباً ما يستيقظ الرائي وفي نفسه سؤال عن معناها. ينبغي التنبيه من البداية إلى أن ما يُذكر هنا قراءة رمزية عامة، لا تعني أن أمراً بعينه سيقع حقاً. فالصورة في المنام لغة من الرموز لا نقل حرفي للواقع، ولذلك يختلف معناها باختلاف حال صاحبها وما يحيط به. وسنعرض ما ذكره المفسرون على وجه الاحتمال لا على وجه الجزم.
السلحفاة في عالم الرموز حيوان يقترن بالصبر والخطو الهادئ وطول العمر، وبالبيت المحمول الذي يحمله صاحبه أينما ذهب. وحين تنقلب على ظهرها يفقد هذا الرمز توازنه المعتاد، فيصير المعنى أقرب إلى اختلال مؤقت في الثبات. فالدرع الذي كان يحميها صار متجهاً نحو الأرض، وبطنها اللين صار مكشوفاً، وهذا يشير عند من يقرؤون الرموز إلى شعور بالانكشاف أو بفقدان السند. ومع ذلك فالسلحفاة بطبعها قادرة على استعادة وضعها بعد حين، وهذا جانب من الرجاء لا ينبغي إغفاله.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات أن الحيوان الهادئ الصغير يدل على أمر يسير الشأن لا يخلو من نفع، ولا يُجزم بدقة هذه النسبة لأن السلحفاة ليست من الحيوانات التي أفاض الأقدمون في وصفها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدواب التي تحمل مساكنها على ظهورها تُفسَّر بالقناعة والاكتفاء بالقليل. ونقول بصراحة إن السلحفاة أقل حضوراً في أقدم كتب التعبير من الحيوانات الكبيرة، ولذلك جاءت أكثر القراءات المتداولة بالقياس وباجتهاد المتأخرين من المفسرين. وقد اختلفوا في تفاصيل كثيرة، ولا يصح أن يُوجَّه أي قول منها إلى شخص بعينه أو إلى فئة بعينها.
يتغير المعنى بتغير السياق الذي ظهرت فيه السلحفاة المنقلبة. فإن كانت صغيرة الحجم فالأمر في الغالب عارض خفيف يمر سريعاً، وإن كانت كبيرة فقد يرمز ذلك إلى أمر أثقل وقعاً يحتاج إلى مزيد من الصبر. ويختلف التأويل إذا كانت على أرض صلبة أو على رمل ناعم أو قرب الماء، فالماء القريب يوحي بقرب الفرج والعودة إلى الوضع الطبيعي. ولا يقل عن ذلك أهمية شعور الرائي في الحلم، فمن شعر بالرحمة والرغبة في المساعدة فهو أقرب إلى حال من يتعاطف مع غيره، ومن شعر بالقلق فقد يكون في نفسه ما يشغله.
وللفتاة غير المتزوجة قد تُقرأ هذه الصورة على أنها إحساس عابر بالارتباك في مرحلة من مراحل حياتها، كدراسة أو عمل أو علاقة تنتظر قراراً. ويرى بعض المفسرين أن مساعدتها للسلحفاة على الاعتدال تدل على أنها ستتجاوز هذا الارتباك بهدوء وبعون من الأهل أو الأصدقاء. أما إن تركتها ومضت فقد يُقرأ ذلك على أنه تردد في طلب المساعدة. وكل ذلك احتمالات رمزية لا تقطع بشيء.
وللمرأة المتزوجة والرجل قد تحمل الصورة معنى الانشغال بأمر في البيت أو في العمل شعر معه صاحبه أنه فقد توازنه مؤقتاً. وللتاجر قد تُفهم على أنها فترة ركود قصيرة في الأعمال تحتاج إلى مراجعة هادئة لا إلى استعجال. والمقصود أن الرؤيا تدعو إلى التأني، وإلى التفكير فيما يمكن إصلاحه بالتدريج. وليس في هذا أمر جازم، وإنما هو توجيه عام للقلب المطمئن.
وهناك تفاصيل دقيقة تُلطف التأويل. فإذا كانت السلحفاة تتحرك بنشاط فهي قريبة من النهوض، وإذا كانت ساكنة فقد يرمز ذلك إلى انتظار طويل. وإذا أمسكها الرائي بيده وأعادها إلى وضعها فذلك يُفسَّر بالمبادرة إلى الإصلاح، وإذا جاء أحد غيره وأعادها فقد يشير إلى عون من آخرين. ولون الدرع وسلامته وصفاؤه تدل عند بعضهم على سلامة الحال، أما الدرع المتشقق فقد يوحي بحاجة إلى مزيد من العناية.
ومن الجانب النفسي، يمكن أن تكون هذه الرؤيا انعكاساً لشعور بالإرهاق أو بأن الظروف قلبت ترتيب الأيام على صاحبها. والتأمل الهادئ فيها قد يذكّره بأهمية أن يمنح نفسه وقتاً للراحة قبل أن يعود إلى سيره المعتاد. والسلحفاة نفسها مثال للثبات على الخطو البطيء مع قدرة على الصمود، فلا بأس من الاستعانة بالصبر ومن طلب العون المشروع. ومن الحكمة ألا يتعجل الإنسان قراراً مصيرياً وهو في لحظة تعب.
ومن المفيد كذلك أن يتذكر الرائي أن أحلامنا تتأثر بما نراه ونفكر فيه في النهار، فقد تكون الصورة مجرد أثر لمشهد شاهده أو حديث سمعه عن الحيوانات. وفي هذه الحال لا يكون لها معنى أبعد من ذلك، ومن الخير ألا يُثقل الإنسان نفسه بالبحث عن دلالات في كل منام. وإذا بقي في صدره شيء من القلق فليصرفه بالذكر والدعاء وبالانشغال بما ينفع. فالطمأنينة أولى من الانشغال بتأويل ما لا يقين فيه.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو الزواج أو السفر أو العلاج أو غير ذلك. والأولى أن يقابل الإنسان ما يراه بالدعاء وبحسن الظن بالله، وأن يسأله الخير في كل حال. فالغيب مما اختص الله بعلمه وحده، وما نقوله لا يعدو أن يكون محاولة لفهم الرموز. والله أعلم بالصواب.
