يرى بعض الناس في منامهم أنهم يربون سلحفاة في بيتهم، فيضعونها في حوض أو في فناء ويعتنون بها يوماً بعد يوم. وهي صورة مألوفة عند من يحبون الحيوانات أو شاهدوا من يربيها، وتكثر في الأحلام الهادئة. ومن المناسب التنبيه إلى أن تفسيرها رمزي عام، لا يعني أن أمراً محدداً سيقع. فالأحلام صور تتشكل من خبرات الرائي وما يشغل باله، وما يُقال عنها محاولة لفهم لا قطع بنتيجة.
والسلحفاة في الرموز التي تناولها المتأخرون ترمز إلى الصبر وطول العمر والحماية والحكمة التي تأتي مع الزمن. وتربيتها تعني أن الرائي يتولى رعاية هذه الصفات أو ما يشبهها، فهو يغرس في حياته أمراً ينمو ببطء. وهي حيوان لا يستعجل ولا يجزع، فمن يربيها يتعلم هذه الأخلاق شيئاً فشيئاً. وقد تدل الصورة على مشروع طويل الأمد، أو على علاقة تُبنى بهدوء، أو على علم يُكتسب بالتدرج.
نُسب إلى ابن سيرين في باب تربية الحيوانات أن من ربّى حيواناً في بيته فقد يتولى رعاية من يعول أو يهتم بمال يحفظه، ولا يُجزم بصحة هذه النسبة في هذا الموضع بالذات، فهي من القواعد العامة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تربية الدواب الوديعة قد تدل على الألفة والبركة في المعيشة. ونقول بصراحة إن السلحفاة ليست من الحيوانات التي أُفرد لها كلام مفصل في أقدم كتب التعبير، ولذلك فأكثر ما يُقال عنها بالقياس وباجتهاد المتأخرين. وقد اختلف المفسرون في ذلك، ولا يصح توجيه قول منها إلى شخص بعينه أو جماعة بعينها.
ويتغير التأويل بحسب مكان التربية وحال السلحفاة. فإن كانت في حوض نظيف وصحتها جيدة فذلك يوحي بحسن التدبير ونمو الأمور على ما يرام، وإن كانت في مكان ضيق فقد يدل على شعور بضيق الإمكانات. وإذا كانت تكبر في الحلم مع الأيام فهذا يدل على نمو أمر يرعاه الرائي، وإذا لم تكبر فقد يدل على بطء النتائج. ومشاعر الرائي من رضا أو ملل تضيف إلى التأويل.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل تربية السلحفاة على رعاية مشروع أو موهبة أو دراسة بصبر، وعلى نمو صفة الأناة في شخصيتها. وقد تُقرأ كذلك على أنها تهتم بأمر عاطفي أو أسري تحتاج فيه إلى هدوء. وإن كانت تعتني بها مع أخواتها أو أمها فهذا يدل على تعاون أسري. وكل ذلك من باب الاحتمال.
وللمرأة المتزوجة قد تدل على العناية بالبيت والأولاد بصبر طويل، وبركة ينتظرها تعبها. وللرجل قد تدل على رعاية عمل أو مسؤولية أو أسرة، وعلى بناء تدريجي لا يظهر أثره سريعاً. وللتاجر قد ترمز إلى مال يُنمى ببطء وحرص بعيداً عن المجازفة. وهذه قراءات ظنية ولا تعني حكماً في الاستثمار أو غيره.
ومن التفاصيل المعتبرة نوع الطعام الذي يقدمه الرائي ومدى انتظامه، فالانتظام يدل على الاستمرار في الرعاية، والإهمال قد يدل على تقصير في أمر ما. وهل كان للسلحفاة اسم أو علاقة خاصة بالرائي، فذلك يدل على ألفة عميقة. وهل كان الأطفال يشاركون في الرعاية، فمشاركتهم تدل على تعليم القيم داخل الأسرة. وهل مرضت السلحفاة أو شفيت في الحلم، فالشفاء يدل على أن العناية تثمر.
ومن الجانب النفسي قد تعبر الرؤيا عن رغبة في الاستقرار والعناية بشيء حي يمنح الحياة دفئاً. وقد تعكس حاجة الإنسان إلى أن يكون له كائن يعتني به أو أن يعتني به أحد. والسلحفاة تعلمنا أن الاهتمام الصغير المنتظم أبلغ من الحماس المؤقت. فمن الجميل أن يختار الرائي عادة بسيطة يداوم عليها، كالقراءة أو المشي أو الذكر.
وقد تكون الرؤيا مجرد أثر لرغبة في اقتناء حيوان أليف، أو لمشهد رآه في محل أو حديقة. وفي هذه الحال لا حاجة إلى تحميلها معنى زائداً. ومن الخير أن يوجه المرء همته إلى ما ينفعه فعلاً دون تعلق بكل منام. وإذا بقيت في نفسه حيرة فالذكر والدعاء يطمئنان القلب.
ويضيف بعض المتأملين أن تربية الحيوان الهادئ في المنام قد ترمز إلى تربية النفس نفسها على الأناة، فالإنسان الذي يرعى سلحفاة يتعلم ألا يلح على النمو وألا يضجر من بطء الثمرة. وفي ذلك معنى تربوي جميل يصلح لمن يمر بمرحلة انتظار في عمل أو دراسة أو أسرة. ويمكن للرائي أن يتخذ من الحلم دافعاً إلى وضع خطة صغيرة متدرجة يسير عليها دون ضغط. وهذا استئناس بالرمز لا حكم بما سيكون.
ويلاحظ أن السلحفاة المربّاة تحتاج إلى مكان آمن ودفء وماء نظيف، وهذه العناصر الثلاثة قد تُقرأ رمزاً لما يحتاجه كل مشروع من أمان واعتدال وصفاء نية. فإذا رأى الرائي أن هذه الأمور متوافرة في حلمه فلعل ذلك يدل على استقامة سعيه، وإذا رأى نقصاً فيها فهو تنبيه رفيق إلى تدارك الأمر. والمهم ألا يتحول الحلم إلى قلق جديد يضاف إلى هموم يومه.
وفي الختام فإن ما ذُكر كله اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في اقتناء أو مال أو عمل أو زواج. والأولى أن يقابل الرائي ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وسؤاله الخير. فالغيب مما اختص الله بعلمه، وما نقوله لا يتجاوز التأمل في الرموز. والله أعلم.
