قد يرى الإنسان الجدار في آخر نومه قبيل الاستيقاظ، فيبقى المشهد حاضرًا في ذهنه حين يستيقظ تمامًا، فيسأل عن المعنى. والأحلام رموز تتشكل في النوم من مشاعر وأفكار متداخلة، ولا تُحمل على ظاهرها ولا تُعد خبرًا عن المستقبل. وما ورد في كتب التفسير اجتهادات يُستأنس بها ولا يُبنى عليها قرار. وعليه فإن ما يلي قراءات محتملة تتقلب بين الأمان والحاجز بحسب شعور الرائي، دون أن يُجعل لوقت الحلم أثر قاطع.
الجدار في دلالته العامة رمز للحماية والحدود والخصوصية والاستقرار، وهو في الوقت نفسه حاجز يفصل بين الداخل والخارج. ورؤيته قبيل الاستيقاظ تجعله أقرب إلى الذاكرة، فالأحلام التي تقع في آخر النوم تُحفظ في الغالب أكثر من غيرها. ولا يحسم الرمز بنفسه المعنى، فمرجع الترجيح هو شعور الرائي داخل الحلم وبعده. وبقاء الحلم حاضرًا في الذهن لا يزيده أهمية، وإنما يزيده وضوحًا في الذكر فقط.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجدار قد يُعبَّر بما يستند إليه الإنسان من أهل وبيت وسند، وأن ما يطرأ عليه من تغير قد يشير إلى تغير في هذا السند. وهذا الكلام عام لا يخص وقتًا محددًا من الليل، ولا يُقطع بصحة نسبته في كل تفصيل. ويُحمل الجدار المتماسك عند من أخذ به على الثبات، ويُحمل المتصدع على حاجة إلى عناية بأمر ما. وهو احتمال لا يتحول إلى حقيقة بمجرد ذكره، ولا ينبغي أن يُعد نذيرًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار قد يرمز إلى الحامي والكفيل وإلى الحدود التي يضعها الإنسان بين نفسه وغيره. وللمفسرين بعد ذلك أقوال متباينة، فمنهم من يغلّب معنى السند ومنهم من يغلّب معنى الحاجز. وقد ذكر بعضهم أقوالًا في أثر وقت الرؤيا، لكنها متفاوتة ولا تقوم عليها قاعدة ثابتة. ولذلك يحسن النظر في مجموع الأقوال مع إعطاء حال الرائي اعتبارًا أكبر.
يتبدل المعنى بتبدل السياق، فالجدار الذي يُرى قبيل الاستيقاظ في بيت الرائي قد يرتبط بإحساسه بمكانه وبما ينتظره في يومه. والجدار الذي يُرى في مكان غريب قد يرتبط بإحساس بالتهيؤ لأمر جديد. وإذا استيقظ الرائي والجدار ما زال أمام ناظريه فقد يُقرأ ذلك على أن الحلم تداخل مع يقظته. وردّ فعل الرائي، من ارتياح أو استغراب أو توتر، هو أهم مفتاح للقراءة.
وقد يكون الحلم صدى لما ينتظر الرائي في يومه من التزامات، فآخر النوم هو الوقت الذي تقترب فيه النفس من الاستعداد لليوم. وقد يكون صدى لأصوات أو أضواء في الغرفة بدأت تتسلل إلى النوم، فتحولت إلى صور. وقد يكون صدى لانشغال محدد بأمر ينتظر القرار. وليس في ذلك دلالة على أمر قادم، فالرؤيا تعبّر عن إحساس الرائي وحده، وتتأثر في آخر النوم بما حوله من مثيرات.
وتتفاوت التفاصيل في دلالتها، فمكان الجدار وهيئته وارتفاعه ولونه، وما إذا كان يتلاشى عند الاستيقاظ أو يبقى في الذهن، قد تضيف معنى عند بعض المفسرين. وإذا كان فيه باب أو نافذة فقد يُحمل ذلك على وجود منفذ في الأمر الذي يشغل الرائي، وإذا كان مصمتًا فقد يُقرأ على أنه إحساس بالانغلاق. وإذا اقترن الحلم بصوت المنبه فقد يرتبط الجدار عند بعضهم بحاجز بين النوم واليقظة. ولا يُجزم بشيء من ذلك.
ومما يُنظر فيه الشعور الذي لازم الحلم عند الاستيقاظ، فالهدوء يغاير الانقباض أو التوتر. فإن استيقظ الرائي مرتاحًا كان الأقرب أن الحلم يعبّر عن سكينة. وإن استيقظ منقبضًا كان الأقرب أن الحلم يعكس ضغط اليوم المقبل أو سوء النوم. ولا يلزم من ذلك أمر خارجي، فالأحلام تتأثر بالتعب والسهر وما يسبق النوم من مشاهد وكلام.
وفي الجانب العملي يفيد أن يبدأ الرائي يومه بهدوء بعد الاستيقاظ، فيتنفس بعمق ويشرب الماء ويؤجل التفكير في الحلم إلى وقت لاحق. ويفيد أن يدوّن الحلم إن أراد، وأن يتكلم مع من يثق به إن ثقل عليه. وإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثّرت في نومه فمن المناسب استشارة مختص، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. وتنظيم مواعيد النوم يقلل من تقطعه ومن كثرة الأحلام المتعبة.
وخلاصة القول أن الجدار الذي يُرى قبيل الاستيقاظ رمز يتسع لمعنى الأمان أو الحاجز، ووقت الرؤيا لا يغير ذلك تغييرًا قاطعًا، والأقرب من المعاني ما يوافق شعور الرائي وتفاصيل رؤياه. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه وعد ولا وعيد. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالخير وأن يحسن الظن به. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما يراه النائم يبقى رمزًا يحتمل أكثر من وجه.
