يرى بعض الناس في منامهم أنهم ينظفون جدارًا علاه الغبار أو الأوساخ، وهي رؤيا هادئة تحمل طابع العناية والترتيب. وقبل الخوض في المعنى ينبغي التذكير بأن الرؤيا رمزية، وأن ما يُقال فيها اجتهاد يختلف بحسب حال الرائي وظروفه. والتنظيف فعل يعيد للشيء صفاءه من غير أن يغيّر أصله، وهذا يساعد على فهم الدلالة. ولذلك يميل التأويل إلى الصفاء والتخفف من الأعباء أكثر من ميله إلى التغيير الكبير.
الجدار في لغة الرموز يدل على الحماية والحدود والخصوصية والاستقرار، وقد يدل على الحاجز بين أمرين. وما يعلوه من غبار أو آثار قد يرمز إلى ما تراكم على الإنسان من أفكار وانشغالات ومواقف لم تُرتب بعد. فإذا مُسحت هذه الأوساخ بدا الجدار أصفى وأريح للنظر. وقد يعبّر ذلك عن رغبة في تنقية الصورة التي يراها الإنسان في حياته. ويظل المعنى النهائي متوقفًا على ما يشعر به الرائي حين ينظف.
وتنظيف الجدار على وجه الخصوص يُفهم في الغالب على أنه سعي إلى ترتيب ما حول الإنسان وتخفيف ما علق به من ضيق أو تراكم. وقد يشير إلى رغبة في صفاء العلاقات وإزالة ما شابها من سوء فهم صغير. ويُنظر إلى سهولة التنظيف وصعوبته، فالأوساخ التي تزول بسرعة توحي بأمر يسير الحل، والعالقة الشديدة قد توحي بأمر يحتاج صبرًا. وكل ذلك احتمالات لا يُجزم بها، وهي ترتبط بخبرة الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب البناء والجدران أن العناية بالجدار تدل على العناية بحال الرائي وما يستره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار يُعبَّر به عن الستر والحفظ، فيكون تنظيفه رمزًا لتنقية ما يحيط بالإنسان. ورأى بعض المعبرين أن الماء المستعمل في التنظيف قد يضيف معنى الصفاء والتطهر من الهموم. والأقوال في ذلك متفاوتة ولا يُعتمد أحدها وحده، لأن لكل رؤيا ظروفها. وهي في مجملها اجتهادات لا نصوص ثابتة.
يتأثر المعنى بالسياق الذي جرى فيه الحلم. فإذا كان الرائي ينظف بارتياح وهدوء، فهذا يميل إلى معنى الطمأنينة والرغبة في التنظيم. وإذا كان يشعر بالإرهاق أو الملل، فقد يعكس تعبًا من أعباء يومية متكررة. ويُنظر كذلك إلى مكان الجدار، فجدار البيت من الداخل يختلف عن جدار خارجي يراه الناس. ووجود من يشارك في التنظيف قد يشير إلى تعاون وتفاهم، وانفراد الرائي قد يشير إلى رغبته في ترتيب أموره بنفسه.
وبحسب حال الرائي تتنوع القراءة. فالأعزب قد يعبّر الحلم عنده عن رغبة في ترتيب حياته وتنقية أفكاره قبل أن يخطو خطوة جديدة. والعزباء قد تجد فيه إشارة إلى حرصها على صفاء علاقاتها وتصفية ما يشغلها. والمتزوج قد يتصل المشهد عنده بالعناية بأجواء البيت وحسن التفاهم مع أهله. وللمتزوجة قد يشير إلى اهتمامها بنظافة المنزل وراحة أسرتها، ولا يُفهم منه جزم بنتيجة قاطعة.
وللطالب قد يرمز التنظيف إلى مراجعة الدروس وتصفية ما اختلط في الذهن منها. ولصاحب العمل قد يدل على ترتيب الأوراق والمهام وإزالة ما تراكم من أعمال مؤجلة. وللتاجر قد يشير إلى مراجعة الحسابات وتصفية ما علق منها. وللمسنّ قد يعبّر عن رغبة في إراحة بيته وتخفيف ما يثقل أيامه. وهذه كلها معانٍ رمزية قابلة للصواب والخطأ، والغرض منها حسن التأمل لا الجزم.
وتتغير الدلالة بتفاصيل الحلم. فالغبار الخفيف يوحي بانشغال بسيط، والأوساخ الكثيفة قد توحي بتراكم طال أمده. والمنظف المستعمل من ماء أو قماش أو فرشاة قد يضيف قرينة، فالماء الصافي يوحي بالصفاء، والفرك الشديد يوحي بجهد أكبر. ولمعان الجدار بعد التنظيف يعبّر عن رضا الرائي، وبقاء بقع عالقة قد يعني أن ثمة أمرًا ما زال يحتاج إلى عناية. ويرجع التقدير في النهاية إلى تأمل الرائي في نفسه.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم صدى لرغبة طبيعية في الترتيب والتخفف من الفوضى المحيطة. ويمكن للرائي أن يبدأ بترتيب أمر صغير في يومه، فالتخفف من الفوضى الخارجية يساعد على صفاء الذهن. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية أو هندسية، وإذا كان في الجدار الحقيقي عفن أو رطوبة فمعاينته من مختص أولى من الاكتفاء بالمسح. وإذا كان ثمة ضغط نفسي مستمر فالتشاور مع شخص موثوق أو مختص نافع.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُتخذ سندًا لقرار مهم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية تتأثر بخواطر النفس. فالأحسن أن يحسن الإنسان الظن بالله ويدعو بأن يجعل ما رآه خيرًا ويبعد عنه الهم. ثم يمضي في ترتيب شؤونه بهدوء وصبر، والله أعلم.
