قد يرى الإنسان في منامه جدارًا يلمسه فيجده باردًا، فيشعر بقشعريرة خفيفة أو بسكون غريب، ثم يسأل عن المعنى. والأحلام رموز تتشكل في النوم من مشاعر وأفكار متداخلة، ولا تُحمل على ظاهرها ولا تُعد خبرًا عن المستقبل. وما ورد في كتب التفسير اجتهادات يُستأنس بها ولا يُبنى عليها قرار. وعليه فإن ما يلي قراءات محتملة تتقلب بين الهدوء والمسافة بحسب شعور الرائي.
الجدار في دلالته العامة رمز للحماية والحدود والخصوصية والاستقرار، وهو في الوقت نفسه حاجز يفصل بين الداخل والخارج. والبرودة تضيف إلى الرمز إحساسًا بالمسافة أو بالهدوء، فالملمس في الأحلام كثيرًا ما ينقل شعورًا أكثر مما ينقل خبرًا. ولا يحسم الرمز بنفسه المعنى، فمرجع الترجيح هو شعور الرائي داخل الحلم وبعده. وقد تكون البرودة منعشة مريحة وقد تكون جافية موحشة، وكل منهما يعطي إحساسًا مختلفًا.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجدار قد يُعبَّر بما يستند إليه الإنسان من أهل وبيت وسند، وأن ما يطرأ عليه من تغير قد يشير إلى تغير في هذا السند. وهذا الكلام عام لا يخص جدارًا باردًا، ولا يُقطع بصحة نسبته في كل تفصيل. ويُحمل الجدار البارد عند من أخذ به على قلة الأنس أو على الهدوء بحسب السياق، لكن ذلك يبقى احتمالًا. وهو احتمال لا يتحول إلى حقيقة بمجرد ذكره، ولا ينبغي أن يُعد نذيرًا بجفاء أحد.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار قد يرمز إلى الحامي والكفيل وإلى الحدود التي يضعها الإنسان بين نفسه وغيره. وأما البرودة فللمفسرين فيها أقوال متباينة، فبعضهم يميل إلى معنى الهدوء والسكينة وبعضهم يميل إلى معنى الفتور. ولذلك يحسن ألا تُجعل البرودة دليلًا قاطعًا، وأن يُنظر في مجموع الأقوال مع إعطاء حال الرائي اعتبارًا أكبر.
يتبدل المعنى بتبدل السياق، فالجدار البارد في بيت الرائي قد يرتبط بإحساس بأن المكان يحتاج إلى مزيد من الدفء والألفة. والجدار البارد في مكان عمل أو دراسة قد يرتبط بإحساس بالرسمية والمسافة. وإذا كانت البرودة منعشة فقد توحي بهدوء، وإذا كانت جافية فقد توحي بوحشة. وردّ فعل الرائي، من ارتياح أو استغراب أو انزعاج، هو أهم مفتاح للقراءة.
وقد يكون الحلم صدى لأيام شعر فيها الرائي بقلة التواصل مع من حوله، أو بحاجة إلى هدوء بعد ضجيج طويل. وقد يكون صدى لذكرى غرفة باردة أو شتاء قاسٍ بقي في الذاكرة. وقد يكون صدى لبرودة حقيقية في الغرفة أثناء النوم أو لغطاء لا يكفي. وليس في ذلك دلالة على أمر قادم، فالرؤيا تعبّر عن إحساس الرائي وحده، وتتأثر الأحلام كثيرًا بما يحس به الجسد من حرارة.
وتتفاوت التفاصيل في دلالتها، فمادة الجدار من حجر أو رخام أو طوب، ودرجة برودته، وما إذا كان رطبًا أو جافًا، قد تضيف معنى عند بعض المفسرين. وإذا كان فيه باب أو نافذة فقد يُحمل ذلك على وجود منفذ في الأمر الذي يشغل الرائي، وإذا كان مصمتًا فقد يُقرأ على أنه إحساس بالانغلاق. وإذا سحب الرائي يده من الجدار فقد يرتبط ذلك عند بعضهم بالرغبة في الابتعاد. ولا يُجزم بشيء من ذلك.
ومما يُنظر فيه الشعور الذي لازم الحلم، فالانتعاش عند لمس الجدار البارد يغاير الانزعاج منه. فإن استيقظ الرائي مرتاحًا كان الأقرب أن الحلم يعبّر عن حاجة إلى الهدوء. وإن استيقظ منزعجًا كان الأقرب أن الحلم يعكس برودة الغرفة أو التعب أو الإحساس بالوحدة. ولا يلزم من ذلك أمر خارجي، فالأحلام تتأثر بحرارة الغرفة وبما يسبق النوم من مشاهد وكلام.
وفي الجانب العملي يفيد أن يهيئ الرائي لنفسه غرفة نوم معتدلة الحرارة وغطاء مناسبًا، وأن يهتم بالصلة مع أهله وأصدقائه الذين يمنحونه الأنس. ويفيد أن يبادر إلى مكالمة أو لقاء بسيط إن شعر بقلة التواصل. وإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثّرت في نومه فمن المناسب استشارة مختص، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. ويحسن ألا يطيل الرائي التفكير في تفاصيل الحلم، فالأولى أن يعود إلى يومه بطمأنينة. ويفيد كذلك أن يتذكر الرائي أن الإحساس بالبرودة في الحلم قد يكون من حرارة الغرفة أو الغطاء، فيكفي أحيانًا تعديل ما حوله ليهدأ نومه.
وخلاصة القول أن الجدار البارد الملمس رمز يتسع لمعنى الهدوء والمسافة، كما يتسع لمعنى الحماية أو الحاجز، والأقرب من المعاني ما يوافق شعور الرائي وتفاصيل رؤياه. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه وعد ولا وعيد. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالخير وأن يحسن الظن به. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما يراه النائم يبقى رمزًا يحتمل أكثر من وجه.
