رؤية جدار بلا نهاية في المنام مشهد يوحي بالامتداد الطويل الذي لا يظهر له طرف. وقبل الخوض في المعنى ينبغي التذكير بأن الرؤيا رمزية، وأن ما يُقال فيها اجتهاد يختلف باختلاف حال الرائي وظروفه. وهذا النوع من الأحلام لا يُحمل على ظاهره، وإنما يُنظر فيه إلى ما يعبّر عنه المشهد من مشاعر الرائي. ولذلك يُقرأ المشهد من جهة الإحساس بطول الطريق أو باتساع الحاجز.
الجدار في لغة الرموز يدل على الحماية والحدود والخصوصية والاستقرار، وقد يدل على الحاجز بين أمرين. وحين لا يظهر له طرف يصير الحاجز كبيرًا في الإحساس، فلا يرى الإنسان له مخرجًا قريبًا. وقد يعبّر ذلك عن شعور بأن أمرًا ما يطول أكثر مما ينبغي. وقد يعبّر أيضًا عن إحساس بالأمان الواسع إن غلب عليه الهدوء. ويبقى المعنى مرتبطًا بإحساس الرائي، أهو ضيق أم تأمل أم ترقب.
والجدار الذي لا نهاية له تحديدًا يُفهم في الغالب على أنه صورة لأمر طويل المدى يحتاج إلى صبر، أو لشعور بامتداد حاجز لا يرى صاحبه نهايته. فمن يسير بجواره بهدوء قد يكون في مرحلة تحمل واستعداد لطول المسير. ومن يتوقف أمامه بقلق قد يعكس إحساسًا بالعجز أمام أمر ضخم. ولا يُفسَّر المشهد على أنه خبر عن أمر مقبل، وإنما هو انعكاس لحال النفس. وكل ذلك احتمالات مفتوحة لا قطع فيها.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الجدران أن الجدار يدل على ما يستتر به الإنسان من قوة وحماية، وأن طوله يدل على امتداد ذلك الأمر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار يُعبَّر به عن الستر والحفظ، فيكون امتداده بلا طرف رمزًا لستر واسع أو لحاجز طويل. ورأى بعض المعبرين أن الطول يدل على المشقة وطول الأمد. والأقوال متفاوتة ولا يُعتمد أحدها وحده، وهي اجتهادات لا نصوص قاطعة.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان الجدار نظيفًا هادئًا والرائي مطمئنًا، فالأقرب أن الحلم يعبّر عن إحساس بالسعة والثبات. وإذا كان الرائي يركض بلا جدوى أو يشعر بالضياع، فقد يعكس إرهاقًا ذهنيًا وضغطًا مستمرًا. ويُنظر كذلك إلى وجود أبواب أو نوافذ على امتداده، فوجودها قرينة على أن في الأمر منافذ وخيارات. ووجود رفيق يمشي مع الرائي قد يشير إلى دعم في طول الطريق.
وبحسب حال الرائي تتنوع القراءة. فالأعزب قد يعبّر الحلم عنده عن إحساس بطول مرحلة ينتظر فيها استقراره. والعزباء قد تجد فيه ما يوافق قلقها من أمر يطول انتظاره وحاجتها إلى الصبر. والمتزوج قد يتصل عنده بكثرة الأعباء الممتدة ومسؤوليات الأسرة. وللمتزوجة قد يشير إلى انشغالها بمهام لا تنتهي في بيتها، ولا يُبنى على ذلك جزم بنتيجة محددة.
وللطالب قد يرمز المشهد إلى طول المنهج وكثرة المواد وشعور بأن الدراسة لا تنتهي. وللموظف قد يدل على روتين طويل أو مشروع ممتد. ولصاحب المشروع قد يعني مرحلة طويلة من البناء والتأسيس. وللمسنّ قد يعبّر عن تأمل في طول العمر وما مر فيه. وهذه المعاني رمزية، والغرض منها فهم ما في النفس من أحوال.
وتتغير الدلالة بتفاصيل الحلم. فالجدار المستقيم الواضح يوحي بطريق منتظم، والملتوي يوحي بتعدد الظروف. وإن ظهر في الأفق ضوء أو انعطاف فقد يدل على أمل بتغير المسار، وإن استمر الجدار بلا تغير فقد يدل على إحساس بالرتابة. ولونه وسطحه يضيفان قرينة، فالفاتح الناعم يوحي بسكينة، والمظلم الخشن يوحي بجفاء. وإن غلب على المشهد السكون فقد يكون ذلك صدى لحاجة إلى هدوء طويل.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم ناتجًا عن إحساس بأن أمرًا ما طويل ومرهق وليس له نهاية واضحة. ويمكن للرائي أن يقسم ما يشغله إلى مراحل صغيرة لها نهايات واضحة، فهذا يخفف شعور الامتداد بلا انتهاء. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية أو هندسية، وإذا استمر الإرهاق أو الحزن فالأولى استشارة مختص. ويمكن كذلك تدوين المشاعر التي صاحبت المشهد عند الاستيقاظ، فهي أدل على معناه من صورته. وقد يخف الإحساس بمجرد تسمية ما يشغل الإنسان بوضوح، ثم تأتي الخطوة العملية الصغيرة بعد ذلك، ويفيد أن تكون بلا استعجال.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُتخذ دليلًا على أمر مقبل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية تتأثر بحال النفس. فالأجدر أن يحسن الإنسان الظن بالله ويدعو بأن يجعل ما رآه خيرًا ويرزقه الصبر والطمأنينة. ثم يمضي في أموره بهدوء، والله أعلم.
