يرى الرجل الجدار في منامه فيتساءل عن معناه، وهو سؤال مشروع ما دام الجواب يُطلب على سبيل الاستئناس لا اليقين. والرؤيا رمزية في أصلها، لا تُحمل على ظاهرها ولا تُعد خبرًا عمّا سيقع. وما يرد في كتب التفسير اجتهادات يتفاوت أصحابها في الفهم والتقدير، وتبقى للرائي حرية الأخذ بما يناسب حاله. وعليه فإن ما يلي قراءات محتملة تتقلب بين الأمان والحاجز بحسب التفاصيل.
الجدار في دلالته العامة رمز للحماية والحدود والخصوصية والاستقرار، وهو أيضًا حاجز يفصل بين الداخل والخارج. وبهذه الازدواجية يتسع لمعنيين متقابلين، أحدهما الإحساس بالأمان خلف حائط متين، والآخر الإحساس بالانغلاق أمام حائط عالٍ مسدود. ولا يحسم الرمز بنفسه أحد المعنيين، فمرجع الترجيح هو شعور الرائي في الحلم وحاله في يقظته. ولذلك تختلف قراءة الجدار من رجل إلى آخر وإن اتحدت صورته.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجدار قد يُعبَّر بما يستند إليه الإنسان من أهل وبيت وسند، وأن ما يلحق به من قوة أو ضعف قد يشير إلى حال هذا السند. ولا يُقطع بصحة ما نُسب إليه في كل جزئية، وهو كلام عام لا يختص برجل أو امرأة. وعلى هذا الفهم يُحمل الجدار المتماسك على معنى الثبات، ويُحمل المتصدع على معنى الحاجة إلى عناية بأمر ما. وهذا احتمال من الاحتمالات لا يُبنى عليه قرار، ولا ينبغي أن يزعج الرائي.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار قد يرمز إلى الرجل صاحب المنعة أو الحامي الذي يلجأ إليه أهل البيت، وقد يرمز إلى الحدود التي يضعها الإنسان بين نفسه وغيره. وتتفاوت أقوال المفسرين بعد ذلك تفاوتًا كبيرًا، فمنهم من يغلّب جانب الحماية ومنهم من يغلّب جانب الحاجز. ولذلك يحسن النظر في مجموع الأقوال لا في قول واحد، مع إعطاء حال الرائي اعتبارًا أكبر. ويفهم الرجل من هذا الاختلاف أن الرمز يحتمل أكثر من قراءة.
يتبدل المعنى بتبدل السياق، فجدار بيته يرتبط غالبًا بإحساسه بالمسؤولية تجاه أهله، وجدار مكان عمله قد يرتبط بطموحاته وبيئته المهنية، وجدار الطريق قد يرتبط بعائق في مسار ما. ووقوفه أمام الجدار متأملًا يختلف عن محاولته القفز عليه أو الالتفاف حوله. ولحال الجدار من متانة أو تصدع أو نظافة أو إهمال أثر في القراءة عند من يعتني بالتفاصيل. وكل هذه القراءات تبقى ظنية تتأثر بحال الرائي.
وللرجل في حياته أدوار متعددة، فهو في الغالب مشغول بالعمل والأسرة والالتزامات التي لا تنتهي، وقد تظهر هذه الانشغالات في الأحلام بصور رمزية. فقد يكون الجدار المتين صدى لرغبته في أن يوفر لمن حوله بيئة آمنة، وقد يكون صدى لحاجته هو نفسه إلى مكان يرتاح فيه. وقد يكون الجدار العالي صدى لإحساسه بأن عليه أن يكتم ما يشغله ولا يبوح به. وليس في ذلك اتهام لأحد، فالرؤيا تعبّر أحيانًا عن حمل ثقيل لم يُتح له أن يُقال.
وتختلف دلالة التفاصيل المحيطة بالجدار، فمادته من حجر أو طوب أو طين أو خرسانة، وارتفاعه وسماكته، وما عليه من دهان أو كتابة أو أثر. وإذا كان فيه باب أو نافذة فقد يُحمل على وجود منفذ أو بدائل في الأمر الذي يشغل الرائي، وإذا كان مصمتًا فقد يُقرأ على أنه إحساس بالضيق. وإذا كان الجدار جديدًا فقد يرتبط عند بعضهم بمرحلة جديدة، وإذا كان قديمًا فقد يرتبط بما اعتاده الرائي من أمور ثابتة. وكل ذلك اجتهاد ظني لا قطع فيه.
والمهم بعد ذلك الشعور الذي ساير الحلم، فالطمأنينة عند رؤية الجدار تغاير الخوف أو الضيق أو الحيرة. فإن استيقظ الرائي مرتاحًا كان الأقرب أن الحلم يعبّر عن حاجته إلى الاستقرار أو عن اعتياده على مكانه. وإن استيقظ مثقلًا كان الأقرب أن الحلم يعبّر عن تعب أو ضغط في يومه. ولا يلزم من الحالتين أن يكون وراءهما أمر خارجي، فالأحلام تتأثر بالسهر وكثرة التفكير وما يسبق النوم من مشاهد وكلام.
وفي الجانب العملي يمكن للرائي أن يسأل نفسه عن الأمور التي تحتاج إلى حدود واضحة، وعن الأمور التي تحتاج إلى مزيد من الانفتاح والحوار. وقد يفيده أن يتحدث بصراحة مع شخص يثق به عمّا يثقل صدره، فالكتمان الطويل يتعب. وإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثرت في نومه وعمله فمن المناسب استشارة مختص، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. ويفيد كذلك تنظيم النوم وتخفيف الضغط قدر الاستطاعة.
وخلاصة القول أن الجدار في منام الرجل رمز واسع يشمل الحماية والخصوصية والاستقرار كما يشمل الحاجز والانغلاق، والمعنى الأقرب هو ما يوافق شعوره وتفاصيل رؤياه. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه وعد ولا وعيد. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالخير وأن يحسن الظن به. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما يراه النائم يبقى رمزًا يحتمل أكثر من وجه.
