يرتبط جدار الساحة في المنام بالمكان المفتوح الذي يجتمع فيه الناس، وهو يحيط بفضاء واسع لا بغرفة ضيقة. ينبغي أن يُفهم أن الرؤيا رمزية، وأنها لا تقطع بأمر، ولا تغني عن نصيحة طبية أو نفسية أو هندسية. والساحة في الرموز تمثل اللقاء والحركة والانفتاح، فقد يرتبط جدارها عند بعض الناس بالأمان في رحاب واسع، وعند آخرين بالإحساس بأن الفضاء محدود بحدود لا يستطيع تجاوزها. وما يأتي بعد ذلك احتمالات تعبيرية يوازن الرائي بينها.
الجدار في أصل الرمز حد يصون ويفصل بين الداخل والخارج، وجدار الساحة يضع للمكان الواسع حدودًا تنظمه. وقد يدل ذلك على علاقة الرائي بالمجتمع الذي يلتقي فيه، وبالمساحة التي يتحرك فيها بحرية. وقد يدل في وجه آخر على رغبة في التوسع تقف أمامها حدود لا تزال قائمة. وقد يعبر كذلك عن توازن بين الانفتاح والانضباط. والفيصل شعور الرائي: هل بدا المكان رحبًا آمنًا أم محدودًا مقيدًا.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الجدار يرمز إلى الرجل الذي يستند إليه أهله، وأن حاله يدل على حال هذا السند. وعلى هذا الفهم قد يُقرأ جدار الساحة على أنه إشارة إلى سند يجتمع حوله أهل البيت أو الحي. وقد يُقرأ على أنه إشارة إلى مكانة الرائي في جماعته. ولا يُجزم بذلك، فالمنسوب يتفاوت نقله، وهو اجتهاد ظني يتغير بتغير الأحوال، ولا يبنى عليه اتهام أحد.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار قد يدل على الحاجز بين الإنسان ومراده، أو على الستر بحسب حال الرائي. وإذا طُبق ذلك على جدار الساحة، فقد يقال إنه حد يحيط بمجال الرائي الاجتماعي ويحفظه، أو حاجز يفصله عن اتساع يتطلع إليه. وقد يقال إنه إشارة إلى تنظيم اللقاءات. وتختلف آراء المعبرين في ذلك، ولا يوجد قول قاطع. فالأولى أن يأخذ الرائي بالمعاني على أنها احتمالات يزنها بحاله.
للسياق أثر في معنى جدار الساحة. فإن رآه الرائي في ساحة بيته، مال المعنى إلى اجتماع الأسرة والأقارب. وإن رآه في ساحة عامة مزدحمة، فقد يتصل بحياته الاجتماعية الواسعة. وإن رآه في ساحة خالية، فقد يعبر عن هدوء أو وحدة. وإن رآه وهو يستند إليه أثناء لقاء ودي، مال المعنى إلى الألفة، وإن رآه وهو يحاول الخروج منها، فقد يتصل بحاجة إلى مجال أوسع.
وتتفاوت القراءة بحسب الرائي. فالرجل قد يرى فيه صورة لمجتمعه ومجالسه وعلاقاته بأهل حيه. والمرأة المتزوجة قد يعبر عندها عن اجتماع الأسرة في بيتها وما تحبه من أنس بين الأهل. أما الفتاة فقد يشير عند بعض المعبرين إلى صداقاتها ودائرتها الاجتماعية. وكل ذلك احتمال لا قطع فيه، ولكل رائية ظرفها وشعورها الخاص.
ويتأثر المعنى بحال الطالب وصاحب العمل وكبير السن. فالطالب قد يراه صورة لساحة مدرسته وأصدقائه وأنشطته. وصاحب العمل قد يراه صورة لمجال تعامله الواسع مع الناس وحدود ذلك. وكبير السن قد يراه صورة لمجالس الأنس التي اعتاد عليها مع أقرانه. ولا يلزم أن تصدق هذه القراءات على كل رائٍ، فالصورة تتشكل بحسب صاحبها وظروفه.
وللتفاصيل أثر في التعبير. فإن كان جدار الساحة منخفضًا مفتوح البوابات، فهو أقرب إلى معاني الانفتاح الاجتماعي. وإن كان عاليًا مغلقًا، فقد يتصل بحرص على الخصوصية رغم اتساع المكان. وإن كانت على أطرافه مقاعد يجلس عليها الناس، فقد يعبر عن ألفة ولقاء. وإن كان في وسطها شجرة وارفة الظل، فقد يوحي بالراحة. وتقرأ هذه التفاصيل ضمن الرؤيا العامة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تدعو الرؤيا إلى تأمل توازن الإنسان بين اللقاء والخلوة. فالعلاقات الاجتماعية تثري الحياة وتخفف الوحدة، لكن الإفراط في الحضور بين الناس قد يرهق. ويمكن للرائي أن يتساءل: هل يخصص وقتًا كافيًا لمن يحب، وهل يحفظ لنفسه وقتًا للراحة. وقد يكون توزيع اللقاءات على أيام الأسبوع خطوة نافعة تمنع الازدحام والإرهاق. كما أن جدران الساحات الحقيقية تحتاج إلى فحص من أهل الاختصاص، وإذا ظهرت فيها تشققات أو ميل فالمرجع مهندس أو فني مختص. والرؤيا ليست نصيحة هندسية ولا نفسية.
يبقى ما ذُكر في تفسير جدار الساحة اجتهادًا بشريًا ظنيًا، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ مرتبة اليقين. وينبغي للرائي أن يتلقى رؤياه بهدوء وحسن ظن بالله، وأن يدعو ربه بالخير والسكينة وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وكل ما يقال في التعبير لا يخرج عن دائرة الاحتمال. فليأخذ الإنسان بأسباب النفع في واقعه، وليبقَ قلبه مطمئنًا إلى فضل ربه. والله أعلم.
