يرتبط جدار الشارع في المنام بالمجال العام الذي يمر فيه الناس ويلتقون، وهو يختلف عن جدران البيت الخاصة. ينبغي أن يُفهم أن الرؤيا رمزية، وأنها لا تقطع بأمر، ولا تغني عن نصيحة طبية أو نفسية أو هندسية. والشارع في الرموز يمثل الطريق والاحتكاك بالمجتمع، فقد يرتبط جداره عند بعض الناس بالحدود التي تفصل بين الحياة الخاصة والعامة، وعند آخرين بالإحساس بعائق في الطريق. وما يأتي بعد ذلك احتمالات تعبيرية يوازن الرائي بينها بحسب حاله.
الجدار في أصل الرمز حد يصون ويفصل بين الداخل والخارج، وجدار الشارع يقف على حافة الطريق شاهدًا على حركة الناس. وقد يدل ذلك على علاقة الرائي بمحيطه الاجتماعي وبالحدود التي يضعها بين خصوصيته وحياته أمام الناس. وقد يدل في وجه آخر على عائق يعترض سيره في مسعى ما. وقد يعبر كذلك عن مرحلة من الحياة يمر فيها الرائي بتجارب عامة. والفيصل شعور الرائي: هل بدا الجدار جزءًا مألوفًا من الطريق أم عائقًا يوقفه.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الجدار يرمز إلى الرجل الذي يستند إليه أهله، وأن حاله يدل على حال هذا السند. وعلى هذا الفهم قد يُقرأ جدار الشارع على أنه إشارة إلى سند اجتماعي أو إلى مكانة الرائي بين الناس. وقد يُقرأ على أنه إشارة إلى حدود علاقته بجيرانه وأهل حيه. ولا يُجزم بذلك، فالمنسوب يتفاوت نقله، وهو اجتهاد ظني يتغير بتغير الأحوال.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار قد يدل على الحاجز بين الإنسان ومراده، أو على الستر بحسب حال الرائي. وإذا طُبق ذلك على جدار الشارع، فقد يقال إنه حاجز يقع في الطريق ويحتاج إلى التفاف أو صبر، أو ستر لما وراءه عن أنظار المارة. وقد يقال إنه إشارة إلى حدود المجال العام. وتختلف آراء المعبرين في ذلك، ولا يوجد قول قاطع. فالأولى أن يستأنس الرائي بالمعاني كلها ثم يرجع إلى واقعه.
للسياق أثر في معنى جدار الشارع. فإن رآه الرائي في حيه المعتاد، مال المعنى إلى علاقته بالجيران وأهل المنطقة. وإن رآه في شارع غريب، فقد يتصل بمرحلة جديدة يسلك فيها طريقًا لم يألفه. وإن رآه وهو يسير بجانبه مطمئنًا، مال المعنى إلى مسيرة هادئة. وإن رآه وهو يسد طريقه، فقد يتصل بإحساس بعائق يحتاج إلى بحث عن مسلك آخر بهدوء.
وتتفاوت القراءة بحسب الرائي. فالرجل قد يرى فيه صورة لاحتكاكه بالناس في عمله ومعاملاته اليومية. والمرأة المتزوجة قد يعبر عندها عن حدود علاقتها بالجيران وحرصها على خصوصية بيتها. أما الفتاة فقد يشير عند بعض المعبرين إلى خروجها إلى الحياة العامة من دراسة أو عمل وما يصاحبه من حرص. وكل ذلك احتمال لا قطع فيه، ولكل رائية ظرفها وشعورها.
ويتأثر المعنى بحال الطالب وصاحب العمل وكبير السن. فالطالب قد يراه صورة لطريقه إلى الدراسة وما يعترضه من صعوبات. وصاحب العمل قد يراه صورة لموقع مشروعه بين الناس وحدود تعامله معهم. وكبير السن قد يراه صورة لحيّه القديم وما يعرفه فيه من وجوه وذكريات. ولا يلزم أن تصدق هذه القراءات على كل رائٍ، فالصورة تتشكل بحسب صاحبها.
وللتفاصيل أثر في التعبير. فإن كان جدار الشارع نظيفًا مرتبًا، فهو أقرب إلى معاني الانتظام في المجال العام. وإن كان عليه رسوم وكتابات كثيرة، فقد يتصل بكثرة ما يتناوله الناس حوله. وإن كان في ظله مكان يستريح فيه الرائي، فقد يعبر عن سند يجده في الطريق. وإن كان طويلًا لا نهاية له، فقد يتصل بإحساس بطول المسافة التي يحتاج إلى قطعها. وتقرأ هذه التفاصيل ضمن الرؤيا العامة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تدعو الرؤيا إلى تأمل الحدود بين ما يعرضه الإنسان على الناس وما يحفظه لنفسه. فالتواصل مع المجتمع مفيد، لكن التعرض الدائم لآراء الآخرين قد يرهق. ويمكن للرائي أن يتساءل: ما الذي يشاركه الناس فعلًا، وما الذي يكفيه أن يحتفظ به لنفسه. كما أن الجدران المطلة على الشوارع الحقيقية تحتاج إلى متابعة من أصحابها، وإذا ظهرت فيها تشققات أو ميل فالمرجع مهندس أو فني مختص. والرؤيا ليست نصيحة هندسية ولا نفسية.
يبقى ما ذُكر في تفسير جدار الشارع اجتهادًا بشريًا ظنيًا، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ مرتبة اليقين. وينبغي للرائي أن يتلقى رؤياه بهدوء وحسن ظن بالله، وأن يدعو ربه بالخير والسكينة وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وكل ما يقال في التعبير لا يخرج عن دائرة الاحتمال. فليأخذ الإنسان بأسباب النفع في واقعه، وليبقَ قلبه مطمئنًا إلى فضل ربه. والله أعلم.
