يرى بعض الناس في منامهم أنهم يرممون جدارًا تصدع أو تآكل بعض أجزائه، وهي رؤيا تحمل طابع الإصلاح والعناية. وقبل الخوض في المعنى ينبغي التذكير بأن الرؤيا رمزية، وأن تفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف الرائي وظروفه. والترميم يختلف عن الهدم والبناء، فهو إبقاء للقائم مع تقوية ما ضعف فيه. ولذلك يميل المعنى فيه إلى الصيانة والمراجعة أكثر من التغيير الجذري.
الجدار في لغة الرموز يدل على الحماية والحدود والخصوصية والاستقرار، وقد يدل على الحاجز بين أمرين. وحين يكون الجدار متصدعًا في الحلم فإن ذلك قد يعبّر عن إحساس بأن أمرًا ما في الحياة لم يعد على حاله من المتانة. وقد يكون هذا الأمر علاقة أو عادة أو ترتيبًا مألوفًا يحتاج إلى عناية. ولا يُفهم من ذلك وقوع مكروه، وإنما هو رمز لما يشغل النفس. فالدلالة تتبع ما يشعر به الرائي لا الصورة وحدها.
والترميم على وجه الخصوص يُفهم في الغالب على أنه سعي إلى رأب صدع أو تقوية ضعف أو إعادة الثقة إلى أمر مهتز. فمن يرمم الجدار يتعامل مع ما هو موجود، ويحاول إصلاحه بجهد صبور وتدرج. وقد يدل ذلك على رغبة في معالجة خلل صغير قبل أن يكبر، أو في ترتيب الأوضاع بعد فترة من الاضطراب. ويُنظر إلى مدى اتساع الشق وإلى إتقان الإصلاح، فالإصلاح المتقن يوحي بمعنى مختلف عن الترقيع المتعجل. وهذا كله على سبيل الاحتمال.
نُسب إلى ابن سيرين أن البناء وإقامة الجدران يدلان في الجملة على السعي لتقوية أمر الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار يُعبَّر به عن الستر والحفظ، وأن إصلاحه يدل على العناية بما يستر الإنسان ويحفظه. ورأى بعض المعبرين أن الترميم قد يشير إلى مراجعة النفس وتدارك ما فات. والأقوال في ذلك متفاوتة ولا يُجزم بأحدها، لأن لكل رؤيا ظروفها. ويبقى كل ما سبق اجتهادًا وليس نصًّا ثابتًا.
للسياق دور كبير في فهم المشهد. فإذا كان الرائي يرمم بهدوء وهو مرتاح، فالمعنى يميل إلى العناية الواعية بما يملك. وإذا كان يرمم بسرعة وقلق، فقد يعكس انشغالًا ذهنيًا بأمر يخشى تفاقمه. ويُنظر كذلك إلى موضع الجدار، فجدار البيت يختلف عن جدار الحديقة أو الطريق. ووجود شخص آخر يساعد في الترميم قد يشير إلى قيمة التعاون، بينما العمل منفردًا قد يعكس الاعتماد على النفس.
ويختلف التأويل بحال الرائي. فالأعزب قد يرى في الحلم إشارة إلى رغبته في إصلاح جانب من حياته قبل أن يخطو خطوة جديدة. والعزباء قد يعبّر الحلم عندها عن حرصها على ترميم علاقة أو إصلاح ما بينها وبين غيرها بهدوء. والمتزوج قد يتصل المشهد عنده بالعناية بالبيت وتقوية التفاهم مع أسرته. وللمتزوجة قد يشير إلى اهتمامها بسد ثغرات صغيرة في تنظيم شؤون المنزل، ولا يعني ذلك جزمًا بنتيجة قاطعة.
وللطالب قد يرمز الترميم إلى سد فجوات في الفهم وتقوية ما ضعف من الدروس. ولصاحب العمل قد يدل على مراجعة تفاصيل صغيرة أهملها فتعود الأمور إلى انتظامها. وللتاجر قد يشير إلى مراجعة الحسابات وتقوية ما اهتز من العلاقات المهنية. وللمسنّ قد يعبّر عن حرصه على إصلاح ما بينه وبين أهله وحفظ ما يملك. وهذه المعاني ليست نتائج مضمونة، وإنما صور يستأنس بها الإنسان ليفكر في حاله.
وتتبدل الدلالة بتفاصيل الحلم. فالشق الصغير الذي يُسد بسهولة قد يعني أمرًا يسيرًا يمكن تداركه، والتصدع الواسع قد يعكس إحساسًا بأن الأمر يحتاج وقتًا وصبرًا. ومادة الترميم من جص أو طين أو إسمنت أو دهان قد تضيف قرائن، فالمادة المتينة توحي بالإتقان والمواد الهشة توحي بحل مؤقت. وإكمال الإصلاح قبل الاستيقاظ علامة على راحة الرائي وشعوره بالإنجاز، وتركه ناقصًا قد يعكس انتظار إتمام أمر قائم. ويرجع التقدير إلى الرائي نفسه.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم ناتجًا عن تفكير في أمر يحتاج إلى إصلاح أو عن إحساس بتعب يستدعي الراحة. ويمكن للرائي أن يحدد ما يود إصلاحه فعلًا ويبدأ بخطوة صغيرة منه. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية أو هندسية، وإذا كان في البيت صدع حقيقي في جدار فمعاينته وإصلاحه يحتاجان إلى مختص. وإذا كان القلق مستمرًا فمشاورة شخص ثقة أو مختص أولى من الاكتفاء بتفسير الحلم.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح الاعتماد عليه في قرار كبير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية تتأثر بما في النفس من أفكار. فالأحسن أن يحسن الإنسان الظن بالله ويدعو بأن يجعل ما رآه خيرًا ويصلح حاله. ثم يمضي في إصلاح ما يحتاج إلى إصلاح بصبر وتأنٍّ، والله أعلم.
