قد يرى الإنسان الجدار في منامه مرة بعد مرة على مدى أيام أو أسابيع، فيتساءل عن سبب هذا التكرار. والأحلام رموز تتشكل في النوم من مشاعر وأفكار متداخلة، ولا تُحمل على ظاهرها ولا تُعد خبرًا عن المستقبل. وما ورد في كتب التفسير اجتهادات يُستأنس بها ولا يُبنى عليها قرار. وعليه فإن ما يلي قراءات محتملة تتقلب بين الأمان والحاجز بحسب شعور الرائي، مع الإشارة إلى أن التكرار نفسه لا يدل على شيء غيبي.
الجدار في دلالته العامة رمز للحماية والحدود والخصوصية والاستقرار، وهو في الوقت نفسه حاجز يفصل بين الداخل والخارج. وتكرار الرمز يزيد من إحساس الرائي بأن النفس تلحّ على أمر ما. ولا يحسم الرمز بنفسه المعنى، فمرجع الترجيح هو شعور الرائي داخل الحلم وبعده. والرموز التي تتكرر في الأحلام كثيرًا ما تكون مرتبطة بانشغال مستمر في اليقظة أكثر من ارتباطها بأي دلالة خارجية.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجدار قد يُعبَّر بما يستند إليه الإنسان من أهل وبيت وسند، وأن ما يطرأ عليه من تغير قد يشير إلى تغير في هذا السند. وهذا الكلام عام لا يخص التكرار، ولا يُقطع بصحة نسبته في كل تفصيل. ويُحمل الجدار المتكرر عند من أخذ به على إلحاح الحاجة إلى الثبات أو على انشغال دائم بأمر الأسرة والبيت، لكن ذلك يبقى احتمالًا. وهو احتمال لا يتحول إلى حقيقة بمجرد ذكره، ولا ينبغي أن يُعد نذيرًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار قد يرمز إلى الحامي والكفيل وإلى الحدود التي يضعها الإنسان بين نفسه وغيره. وللمفسرين بعد ذلك أقوال متباينة، فمنهم من يغلّب معنى السند ومنهم من يغلّب معنى الحاجز. ولذلك يحسن النظر في مجموع الأقوال لا في قول واحد، مع إعطاء حال الرائي اعتبارًا أكبر. وتكرار الرؤيا عند بعضهم يزيد وضوح المعنى، وعند غيرهم لا يغير شيئًا.
يتبدل المعنى بتبدل السياق، فإذا تكرر الجدار في صورة واحدة كل مرة فقد يكون الإحساس واحدًا يلحّ على صاحبه. وإذا تكرر في صور مختلفة فقد يكون الشاغل واحدًا والصور هي المتبدلة. وإذا تغير شعور الرائي من مرة إلى أخرى فقد يدل ذلك على تغير في حاله النفسية. ومقارنة الأحلام ببعضها وبما كان يمر في اليقظة هي أقرب طريق للفهم.
وقد يكون الحلم المتكرر صدى لانشغال مستمر في اليقظة، كأمر عالق أو ضغط متراكم أو رغبة لم تتحقق بعد. وقد يكون صدى لعادة قبل النوم، كمشاهدة أمر محدد أو التفكير في مشكلة. وقد يكون صدى لحاجة مستمرة إلى الأمان أو الخصوصية. وليس في ذلك دلالة على أمر قادم، فالرؤيا تعبّر عن إحساس الرائي وحده، والعقل يعيد ما يشغله مرة بعد مرة.
وتتفاوت التفاصيل في دلالتها، فمكان الجدار وهيئته وارتفاعه ولونه، وما إذا كان يتغير من حلم إلى حلم، قد تضيف معنى عند بعض المفسرين. وإذا ظهر فيه باب أو نافذة في مرة ثم اختفى فقد يُقرأ ذلك على أنه تبدل في إحساس الرائي بالمنفذ. وإذا بقي مصمتًا في كل مرة فقد يرتبط عند بعضهم بإحساس ثابت بالانغلاق. ولا يُجزم بشيء من ذلك.
ومما يُنظر فيه الشعور الذي لازم الأحلام، فالألفة مع الجدار المتكرر تغاير الضيق منه. فإن استيقظ الرائي مرتاحًا كل مرة كان الأقرب أن الرمز مألوف عنده. وإن استيقظ متوترًا كان الأقرب أن الأحلام تعكس ضغطًا مستمرًا. ولا يلزم من ذلك أمر خارجي، فالأحلام تتأثر بالتعب والسهر وما يسبق النوم من مشاهد وكلام.
وفي الجانب العملي يفيد أن يدوّن الرائي ما يتذكره من الأحلام ويقارنها بما كان يشغله في يومه، فكثيرًا ما يظهر الرابط. ويفيد أن يتكلم مع من يثق به فيما يثقل صدره، وأن يعتني بنومه ومواعيده. وإذا استمر التكرار أو أزعجه أو أثّر في راحته فمن المناسب استشارة مختص، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. ويحسن ألا يطيل التفكير في كل تفصيل، فالأولى أن يعود إلى يومه بطمأنينة. ويفيد كذلك أن يتذكر الرائي أن الأحلام المتكررة شائعة بين الناس ولا تعني بالضرورة شيئًا خطيرًا، وأن الانشغال الزائد بها قد يزيد تكرارها لا العكس.
وخلاصة القول أن تكرار رؤية الجدار رمز يتسع لمعنى الانشغال المستمر أو الحاجة إلى الأمان، كما يتسع لمعنى الحاجز، والأقرب من المعاني ما يوافق شعور الرائي وتفاصيل رؤياه. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه وعد ولا وعيد. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالخير وأن يحسن الظن به. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما يراه النائم يبقى رمزًا يحتمل أكثر من وجه.
