قد يرى المريض الجدار في منامه، وقد يشغله ذلك ويدفعه إلى البحث عن معناه. والأحلام رموز تتشكل في النوم من مشاعر وأفكار متداخلة، ولا تُحمل على ظاهرها ولا تُعد خبرًا عن حالة جسدية. ولذلك تُعامل هذه الرؤية هنا كما تُعامل رؤية أي رائٍ، دون ربطها بالمرض أو بمآله، فلا شأن للتفسير بذلك. وما يلي قراءات رمزية عامة يُستأنس بها ولا يُبنى عليها قرار.
الجدار في دلالته العامة رمز للحماية والحدود والخصوصية والاستقرار، وهو حاجز يفصل بين الداخل والخارج. ولذلك قد يحمل في المنام إحساسًا بالأمان إذا كان متينًا مألوفًا، وقد يحمل إحساسًا بالانغلاق إذا كان عاليًا مسدودًا. ولا يحسم الرمز بنفسه أحد المعنيين، فمرجع الترجيح هو شعور الرائي داخل الحلم وبعده. وكل إنسان يقرأ الرمز من حاله، فالمعنى يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجدار قد يُعبَّر بما يستند إليه الإنسان من أهل وبيت وسند، وأن ما يطرأ عليه من قوة أو ضعف قد يشير إلى حال هذا السند. وهذا الكلام عام لا يخص مريضًا ولا سليمًا، ولا يُقطع بصحة نسبته في كل تفصيل. ويُحمل الجدار المتماسك عند من أخذ به على الثبات، ويُحمل المتصدع على حاجة إلى عناية بأمر ما. وهو احتمال لا يتحول إلى حقيقة بمجرد ذكره، ولا يصح أن يُتخذ مؤشرًا على الحالة الصحية.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار قد يرمز إلى الحامي والكفيل وإلى الحدود التي يضعها الإنسان بين نفسه وغيره. وللمفسرين بعد ذلك أقوال متباينة، فمنهم من يغلّب معنى السند ومنهم من يغلّب معنى الحاجز. ولذلك يحسن النظر في مجموع الأقوال لا في قول واحد، مع إعطاء حال الرائي الاعتبار الأكبر. ويفهم الرائي من هذا التباين أن الرمز مرن، وأن ما يشعر به هو الأولى بالاعتبار.
يتبدل المعنى بتبدل السياق، فجدار غرفته أو بيته قد يرتبط بإحساسه بالمكان الذي يأوي إليه، وجدار مكان آخر قد يرتبط بإحساس بالغربة أو الانتظار. ووقوفه إلى جوار الجدار مطمئنًا يختلف عن شعوره بأنه محاط به لا مخرج منه. ولحال الجدار من نظافة وهدوء ولون أثر عند من يعتني بالتفاصيل. وكل هذه القراءات ظنية تتبدل بتبدل مشاعر الرائي وتفاصيل ما رأى.
ومن يمر بفترة تعب قد تزداد حاجته إلى الهدوء والخصوصية والراحة، وقد تظهر هذه الحاجة في الأحلام بصور رمزية. فقد يكون الجدار المتين صدى لرغبته في مكان آمن يرتاح فيه بعيدًا عن الضجيج. وقد يكون الجدار العالي صدى لحاجته إلى حدود لطيفة تحمي وقته ونومه من كثرة الزيارات والأسئلة. وليس في ذلك دلالة على ما يخص حاله الصحية، فالرؤيا تعبّر عن شعوره وحده، وقد تتأثر بطول الجلوس في المكان نفسه وبقلة الحركة وبكثرة التفكير في الأيام الثقيلة.
وتتفاوت التفاصيل في دلالتها، فمادة الجدار من حجر أو طوب أو دهان، وارتفاعه وسماكته، وما عليه من ألوان أو صور، قد تضيف معنى عند بعض المفسرين. وإذا كان فيه باب أو نافذة فقد يُحمل ذلك على وجود منفذ أو أفق في أمر يشغل الرائي، وإذا كان مصمتًا فقد يُقرأ على أنه إحساس بالضيق. وإذا كان الجدار دافئ اللون ساكنًا فقد يرتبط عند بعضهم بالألفة والسكينة. ولا يُجزم بشيء من ذلك، فهي قراءات تحتمل الخطأ.
ومما يُنظر فيه الشعور الذي لازم الحلم، فالطمأنينة عند رؤية الجدار تغاير القلق أو الضيق أو الحيرة. فإن استيقظ الرائي مرتاحًا كان الأقرب أن الحلم يعبّر عن حاجة إلى السكينة. وإن استيقظ متعبًا كان الأقرب أن الحلم يعكس إرهاقًا أو أفكارًا متراكمة. ولا يلزم من ذلك أمر خارجي، فالأحلام تتأثر بقلة النوم وبما يشغل البال وبآثار الأيام المتعبة.
وفي الجانب العملي يمكن للرائي أن يهتم بما يريحه من هدوء وصحبة طيبة ونوم منتظم قدر الاستطاعة، دون أن يجعل الحلم مرجعًا في شيء. وقد يخفف عنه الكلام مع قريب أو صديق يثق به. وكل ما يتعلق بصحته مرجعه الطبيب المعالج والمتابعة الطبية، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. وإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثقلت عليه فمن المناسب أن يذكر ذلك لمختص ليساعده.
وخلاصة القول أن الجدار في منام المريض رمز عام يتسع للحماية والخصوصية والاستقرار كما يتسع للحاجز والانغلاق، والأقرب من المعاني ما يوافق شعوره. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه وعد ولا وعيد. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالخير والعافية وأن يحسن الظن به. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما يراه النائم يبقى رمزًا يحتمل أكثر من وجه.
