يجمع الجدار الذي عليه مرآة في المنام بين صورة الحاجز وصورة الانعكاس، فهو يعيد إلى الإنسان صورته وما حوله. ينبغي أن يُفهم أن الرؤيا رمزية، وأنها لا تقطع بأمر، ولا تغني عن نصيحة طبية أو نفسية أو هندسية. والمرآة في الرموز ترتبط بتأمل الذات وبالصورة التي يراها الإنسان عن نفسه، فقد يرتبط هذا الجدار عند بعض الناس بالمراجعة الهادئة، وعند آخرين بالانشغال بالمظهر أو بآراء الناس. وما يأتي بعد ذلك احتمالات تعبيرية يوازن الرائي بينها.
الجدار في أصل الرمز حد يصون ويفصل، وحين تعلق عليه المرآة فإنه يتحول إلى سطح يعكس ما أمامه. وقد يدل ذلك على رغبة في معرفة النفس والنظر في سلوكه وأهدافه بصدق. وقد يدل على اهتمام بالمظهر أو بما يراه الآخرون. وقد يعبر كذلك عن حاجة إلى رؤية الأمور من زاوية أخرى. والفيصل شعور الرائي: هل بدت له المرآة مريحة واضحة أم مربكة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الجدار يرمز إلى الرجل الذي يستند إليه أهله، وأن حاله يدل على حال هذا السند. وعلى هذا الفهم قد يُقرأ الجدار الذي عليه مرآة على أنه إشارة إلى سند يرى أهله فيه صورة لأنفسهم أو يقتدون به. وقد يُقرأ على أنه إشارة إلى سند يعكس أحوال بيته. ولا يُجزم بذلك، فالمنسوب يتفاوت نقله، وهو اجتهاد ظني، ولا يصح أن يبنى عليه اتهام أحد.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار قد يدل على الحاجز بين الإنسان ومراده، أو على الستر بحسب حال الرائي. وإذا طُبق ذلك على الجدار الذي عليه مرآة، فقد يقال إنه ستر يريه نفسه، أو حاجز يعكس له ما ينبغي أن يراجعه. وقد يقال إنه إشارة إلى وضوح في معرفة الذات. وتختلف آراء المعبرين في ذلك، ولا يوجد قول قاطع. فالأولى أن يأخذ الرائي بالمعاني على أنها احتمالات نفسية.
للسياق أثر في معنى هذا الجدار. فإن رآه الرائي في بيته، مال المعنى إلى نظره في أحوال أسرته وعلاقته بها. وإن رآه في مكان عام، فقد يتصل بصورته أمام الناس. وإن رآه في غرفة هادئة، فقد يتصل بخلوة مع نفسه. وإن رأى فيها وجهه مبتسمًا مطمئنًا، مال المعنى إلى الرضا، وإن رآه متعبًا، فقد يعبر عن إرهاق يحتاج إلى راحة وعناية.
وتتفاوت القراءة بحسب الرائي. فالرجل قد يرى فيه صورة لمراجعة مسيرته وقراراته. والمرأة المتزوجة قد يعبر عندها عن اهتمامها بنفسها وبيتها وما تراه في نفسها من تغير. أما الفتاة فقد يشير عند بعض المعبرين إلى بحثها عن هويتها وثقتها بنفسها. وكل ذلك احتمال لا قطع فيه، ولكل رائية ظرفها وشعورها.
ويتأثر المعنى بحال الطالب وصاحب العمل وكبير السن. فالطالب قد يراه صورة لتقييمه لمستواه الدراسي ومراجعة أسلوبه. وصاحب العمل قد يراه صورة لتقييم عمله وحاجته إلى رأي صريح من أهل الثقة. وكبير السن قد يراه صورة لتأمل سنوات عمره وما قطعه فيها. ولا يلزم أن تصدق هذه القراءات على كل رائٍ، فالصورة تتشكل بحسب صاحبها.
وللتفاصيل أثر في التعبير. فإن كانت المرآة صافية نظيفة، فهي أقرب إلى معاني الصدق مع النفس. وإن كانت مغبشة، فقد تتصل برؤية غير واضحة لأمر ما. وإن كانت كبيرة تغطي الجدار، فقد تعبر عن انشغال كبير بالذات. وإن كانت صغيرة في إطار أنيق، فقد توحي بتأمل هادئ. وتقرأ هذه التفاصيل ضمن الرؤيا العامة، ولا يستنتج منها شيء عن أشخاص آخرين.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تدعو الرؤيا إلى مراجعة هادئة لعلاقة الإنسان بنفسه. فالنظر في العيوب بلطف يدفع إلى التحسن، أما القسوة على الذات فلا تفيد. ويمكن للرائي أن يتساءل: ما الذي يحب في نفسه، وما الذي يريد تطويره بخطوات صغيرة. وقد يفيد أن يخصص وقتًا قصيرًا كل أسبوع لتدوين ما أنجزه وما يرغب في تحسينه، فذلك يمنحه صورة أوضح بعيدًا عن القسوة. كما أن تثبيت المرايا على الجدران الحقيقية يحتاج إلى مراعاة أمان التركيب ومتانة الجدار، ويرجع فيه إلى فني أو مهندس مختص. والرؤيا ليست نصيحة هندسية ولا نفسية.
يبقى ما ذُكر في تفسير الجدار الذي عليه مرآة اجتهادًا بشريًا ظنيًا، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ مرتبة اليقين. وينبغي للرائي أن يتلقى رؤياه بهدوء وحسن ظن بالله، وأن يدعو ربه بالخير والسكينة وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وكل ما يقال في التعبير لا يخرج عن دائرة الاحتمال. فليأخذ الإنسان بأسباب النفع في واقعه، وليبقَ قلبه مطمئنًا إلى فضل ربه. والله أعلم.
