رؤية الكتابة على الجدار في المنام من الرؤى التي تثير الفضول، لأن الكلمات المكتوبة تبدو وكأنها تحمل معنى ظاهرًا. وقبل الدخول في التفاصيل ينبغي التذكير بأن الرؤيا رمزية، وأن تفسيرها اجتهاد يتغير بتغير حال الرائي وما يمر به. والأقرب في فهم هذا المشهد أن الكتابة تعبّر عما يدور في ذهن صاحبها من أفكار وانشغالات وتوتر، لا عن مصدر خارجي. وبهذا الفهم الهادئ يُقرأ الحلم دون مبالغة ودون خوف.
الجدار في لغة الرموز يدل على الحماية والحدود والخصوصية والاستقرار، وقد يدل على الحاجز بين أمرين. وهو سطح ثابت ظاهر للجميع، فإذا كُتب عليه شيء صار الأمر بارزًا لا يمكن تجاهله. وقد يعبّر ذلك عن رغبة في إظهار فكرة مكتومة أو الإفصاح عن شعور حبيس. وقد يعبّر أيضًا عن الحاجة إلى تثبيت أمر في الذاكرة كي لا يُنسى. ويبقى المعنى متوقفًا على إحساس الرائي أمام ما كتب.
والكتابة على الجدار تحديدًا تُفهم في الغالب على أنها تفريغ لما في النفس من خواطر، أو سعي إلى توضيح أمر غامض، أو تذكير بهدف مهم. فمن يكتب كلمة واضحة بخط مرتب قد يكون أقرب إلى الاتزان ووضوح الفكرة. ومن يكتب بسرعة أو بخط مضطرب قد يعكس توترًا ذهنيًا وتزاحمًا في الأفكار. ولا يُفسَّر ما يُكتب على أنه خبر عن الغد، وإنما هو صدى لما يشغل الإنسان في يومه. وكل هذا من باب الاحتمال لا اليقين.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الكتابة عمومًا أنها تدل على العهد والتوثيق وما يريد الإنسان إثباته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار يُعبَّر به عن الستر والحفظ، فتكون الكتابة عليه رمزًا لإظهار ما كان مستورًا من الأفكار. ورأى بعض المعبرين أن المكتوب ينبغي أن يُفسَّر بمعناه الظاهر كلمة كلمة، فكل كلمة ترتبط بما في نفس الرائي. وهذه الأقوال متفاوتة ولا يُعتمد أحدها وحده، وهي اجتهادات لا نصوص قاطعة.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كانت الكتابة تجري بهدوء وراحة، فالأقرب أنها تعبّر عن وضوح وتنظيم للأفكار. وإذا كانت الكلمات غير مفهومة أو تتغير أثناء النظر إليها، فقد يعكس ذلك تشتتًا ذهنيًا وتوترًا لا يجد له الرائي عبارة واضحة، وهذا أمر شائع في الأحلام. ويُنظر كذلك إلى من يكتب، فكتابة الرائي نفسه تختلف عن رؤيته كتابة جاهزة. ووجود مشاعر الارتياح أو الانزعاج أثناء المشهد قرينة لا تقل أهمية عن الكلام المكتوب.
وبحسب حال الرائي تتنوع القراءة. فالأعزب قد يعبّر الحلم عنده عن رغبة في تحديد أهدافه وتدوين ما يريد تحقيقه. والعزباء قد تجد فيه ما يوافق رغبتها في الإفصاح عن مشاعر تحتفظ بها أو ترتيب أفكارها. والمتزوج قد يتصل عنده بحاجته إلى توضيح أمر مع أهله بلغة هادئة. وللمتزوجة قد يشير إلى رغبتها في التعبير عما يشغلها دون تأجيل، ولا يُبنى على ذلك جزم بنتيجة قاطعة.
وللطالب قد يرمز المشهد إلى تكرار المعلومات وتثبيتها في الذاكرة، وإلى قلق من النسيان قبل الامتحان. وللموظف قد يدل على رغبة في توثيق ما يقوم به أو تدوين المهام. ولصاحب المشروع قد يعني الحاجة إلى وضع خطة مكتوبة واضحة. وللمسنّ قد يعبّر عن حاجته إلى تدوين ذكرياته ومواعظ تجربته. وهذه المعاني رمزية، والغرض منها إعانة الإنسان على فهم ما في نفسه.
وتتغير الدلالة بتفاصيل الكتابة. فالخط الواضح الكبير يوحي بوضوح الفكرة، والخط الصغير الباهت يوحي بتردد في إظهارها. والأداة المستعملة من قلم أو فحم أو طلاء قد تضيف قرينة، فالطلاء الثابت يوحي بالرسوخ، والخربشة الخفيفة توحي بخاطر عابر. والكلمات القليلة أقرب إلى فكرة محددة، والكثيرة أقرب إلى تزاحم أفكار. وإن لم يتذكر الرائي ما كُتب فذلك طبيعي، ولا يُشترط إدراك المعنى كاملًا.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم ناتجًا عن توتر ذهني أو كثرة تفكير في أمر يحتاج إلى إفصاح. ويمكن للرائي أن يكتب خواطره على ورقة قبل النوم، فهذا يخفف تزاحم الأفكار ويساعد على الهدوء. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية أو هندسية، وإذا استمر الأرق أو القلق فالأولى مراجعة مختص. ويُستحسن كذلك أن يتحدث الإنسان مع من يثق به عما يثقل صدره.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُتخذ دليلًا على أمر مقبل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية تتشكل من خواطر النفس. فالأولى أن يحسن الإنسان الظن بالله ويدعو بأن يجعل ما رآه خيرًا ويشرح صدره. ثم يمضي في أموره بسكينة وأخذ بالأسباب، والله أعلم.
