من رأى في منامه أنه يرى أطفالًا يلعبون من النافذة فقد رأى مشهدًا مبهجًا يوحي بالبراءة والحيوية. والرؤيا رمزية في أصلها، وما يُقال في تفسيرها اجتهاد لا يبلغ درجة القطع. ويتغير المعنى بحسب شكل اللعب وعدد الأطفال وما شعر به الرائي أثناء المشاهدة. وقد يكون المشهد صدى لصوت أطفال سُمع قرب البيت أو لذكرى طفولة. وفيما يلي عرض هادئ لما قيل فيه.
النافذة في عالم الرموز فتحة بين الداخل والخارج، تسمح للنظر أن يمتد وللضوء والهواء أن يصلا إلى الغرفة. ولذلك يربطها كثير من المفسرين بالإطلالة على العالم، وبالصلة بما حول الإنسان، وبسعة الأفق التي يمنحها النظر من مكان أعلى أو أبعد. وقد تدل أيضًا على الخصوصية، لأن النافذة تحمي صاحبها وتكشف له الخارج في آن واحد. وهذه المعاني عامة ومحتملة، ولا يُجزم بأي منها دون النظر إلى حال الرائي وتفاصيل ما رأى.
رؤية الأطفال يلعبون من النافذة تدل في الأصل على مشاهدة البراءة والمرح من مسافة، وفي اللعب معنى الانطلاق وخفة النفس. ولذلك ربطه بعض المفسرين برغبة في استعادة بهجة بسيطة، وبشوق إلى بساطة الطفولة، وبميل إلى الاستمتاع بالحياة دون تعقيد. وقد يرمز إلى اهتمام بالأطفال أو بأجواء الأسرة. ويحتمل أيضًا أن يعبر عن ارتياح نفسي وتجدد في الطاقة. وكل هذه معانٍ محتملة لا يُقطع بها.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الصبيان أن رؤيتهم تُفسر بحسب حالهم وهيئتهم، فاللعب والمرح أقرب إلى سرور الأحوال، وأن الطفل المنشرح أقرب إلى الخير من الباكي، ويختلف الناقلون في تفصيل ذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اللهو البريء يدل على انشراح واتساع في الأحوال إذا لم يصحبه اضطراب. وهذه الأقوال تُذكر للإشارة ولا يُقطع بنسبتها. ومن المفسرين من يجعل شعور الرائي بالسرور أصلًا في التفسير.
يتأثر المعنى بنوع اللعب وحال الأطفال. فإن كانوا يلعبون بهدوء ومرح فهو أقرب إلى الراحة والبهجة، وإن كان اللعب صاخبًا فقد يعبر عن حيوية مصحوبة بضجيج. وإن كان بينهم تعاون فهو أقرب إلى الألفة والاجتماع، وإن كان بعضهم يتنازع فقد يدل على اختلاف يسير ينتهي بسرعة. وكذلك يتأثر بمكان اللعب، أهو ساحة أم شارع أم بستان. وهذه الفروق ترجع في الغالب إلى ما يشعر به الرائي من سرور أو انزعاج.
للرجل قد يشير المشهد إلى اهتمام بأسرته وأبنائه أو إلى رغبة في إدخال المرح إلى حياته الجادة. وللمرأة قد يعبر عن رفق وعناية بأفراد الأسرة، وعن ارتياح لأجواء البيت. وقد يكون في الحالتين انعكاسًا لمشهد حقيقي سُمع أو رُئي في اليوم. ولا يصح الجزم بمعنى محدد، فالصورة رمزية عامة.
وللعزباء أو الشاب غير المتزوج قد يكون المشهد صورة لرغبة في بهجة بسيطة وتخفيف جدية الأيام، دون جزم بنتيجة. وللمتزوج أو المتزوجة قد يشير إلى اهتمام بأجواء الأسرة وبناء بيئة مرحة للأبناء. وللمعلم قد يعبر عن حب عمله، وللطالب عن حاجة إلى فسحة ولعب خفيف. وللمسن عن سرور بمرأى الأجيال الجديدة. وتختلف هذه الدلالات بحسب الظروف.
وللتفاصيل أثر في التفسير. فاللعب بالكرة أقرب إلى النشاط والحركة، واللعب بالرمل والبناء أقرب إلى الإبداع والتشييد، واللعب بالحبل والجري أقرب إلى المرح العفوي. وإن كان الأطفال يضحكون فهو أقرب إلى الانشراح، وإن كانوا هادئين فهو أقرب إلى السكينة. وإن كان بينهم من يلوّح للرائي فقد يدل على رغبة في التواصل الودي مع الحياة.
من الناحية العملية قد يكون المنام صدى لأصوات أطفال حقيقية أو لحاجة إلى مرح وراحة. ومن المفيد تخصيص وقت للعب والمرح مع الأسرة ولراحة النفس بعيدًا عن ضغط المهام. وينبغي أن يكون اللعب قرب النوافذ العالية تحت إشراف الكبار مع تثبيت الحواجز وإبعاد الأثاث. ويفيد الإصغاء إلى الأطفال بلطف ومشاركتهم لعبًا هادئًا متى أمكن. وليس المنام نصيحة طبية أو نفسية أو أمنية، وإنما رمز يُقرأ بحذر.
وخلاصة القول في منام رؤية أطفال يلعبون من النافذة أنه صورة من صور الرؤيا تحتمل أكثر من وجه، وأن تفسيرها اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين. وقد يختلف المفسرون في الصورة الواحدة، ويختلف أثرها بحسب حال الرائي وما يمر به. فالأنسب أن يدعو الله بالخير، وأن يحسن الظن به سبحانه، وأن يمضي في شؤونه بعمل وتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله، ويبقى الاطمئنان وحسن الظن بالله خير ما يخرج به الإنسان من أي منام.
