قد يرى النائم نافذة مظلمة لا يظهر منها شيء، فيستيقظ وفي نفسه شيء من الحيرة. وأول ما ينبغي ذكره أن الرؤيا رمزية، وأن ما يُقال في تفسيرها اجتهاد لا قطع فيه. فالظلمة في الأحلام ليست دليلًا على سوء، وقد تكون مجرد صورة لليل أو لغرفة مطفأة. وقد تحمل عند بعضهم معنى الغموض أو الحاجة إلى وضوح. ولذلك تُعرض هنا احتمالات متعددة تُقرأ بهدوء.
النافذة في الرمزية العامة منفذ للضوء والإطلالة وصلة بين الداخل والخارج. وإذا كانت مظلمة غابت الإطلالة وبقي الداخل منفصلًا عن الخارج في الإدراك. فقد ترمز النافذة المظلمة إلى غموض في أمر يفكر فيه الرائي لم تتضح معالمه بعد. وقد تعبّر عن مرحلة هدوء وسكون يحتاج فيها إلى الصبر. وقد تدل على أن ما يسعى إلى رؤيته لا يزال بعيدًا عن النظر. وهذه كلها ظنون في الدلالة لا يقين فيها.
والظلمة في الرمزية العامة تحتمل معنيين، فقد توحي بالغموض وعدم الوضوح، وقد توحي بالسكون والراحة والنوم. فمن رأى نافذة مظلمة في ليل هادئ قد يعبّر ذلك عن راحة وسكينة بعد يوم طويل. ومن رآها في نهار مفترض أن يكون مضيئًا قد يعبّر عن تشويش مؤقت في الفكر. وقد يكون الحلم مجرد صدى لغرفة غير مضاءة أثناء النوم. فلا يُسرع الرائي إلى أي احتمال دون قرينة.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب البيوت أن العتمة في البيت قد تُحمل على ضيق في الحال أو خفاء في أمر، وأن الإضاءة تُحمل على السعة. وإن صحّت هذه النسبة فهي قاعدة عامة لا تفصّل في النافذة المظلمة. ويستأنس بعض المعبّرين بأن الليل في المنام قد يدل على الستر والهدوء. ولا يُجزم بشيء من ذلك لأنه اجتهاد. فالأحوط أن يُنظر في الشعور المصاحب أولًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ظلمة البيت أو أجزائه قد تدل على خفاء في أحوال أهله أو على أمور لم تتضح. وإذا أُخذ هذا على وجه عام فالنافذة المظلمة قد تعبّر عن غموض في إطلالة الرائي على أمر ما. وقد اختلف المعبّرون في ذلك، فمنهم من حمله على الغموض ومنهم من حمله على الهدوء. وهذا الخلاف يدل على أن الأمر اجتهادي. فلا يُؤخذ رأي واحد دون غيره.
وللسياق أثر كبير في الترجيح. فإن كان الرائي مرتاحًا يتأمل الظلمة من وراء الزجاج، فقد يُحمل المشهد على سكينة وهدوء. وإن شعر بالخوف أو القلق منها فقد يعبّر ذلك عن توتر من أمر غير واضح. وإن حاول إضاءة الغرفة فنجح فقد يدل على استعداد لتوضيح أمر. وإن لم يستطع فقد يعبّر عن شعور بالعجز المؤقت أمام غموض. والمشاعر هي القرينة الأقوى في الفهم، ومن الحسن تدوينها فور الاستيقاظ لأن النسيان يأتي سريعًا، وكلما قلّت التفاصيل المتذكَّرة كان الأولى التريث وعدم الاستعجال في تحديد المعنى، فالظلمة نفسها قد تكون مجرد غرفة مطفأة لا أكثر.
وتختلف القراءة بحسب نوع الرائي. فالطالب قد تعكس الصورة عنده قلقًا من مادة لم يفهمها بعد أو سهرًا طويلًا. والموظف قد تعبّر عن غموض في مهام العمل أو في الخطوة التالية. وربة البيت قد ترتبط عندها بتهيئة البيت للمبيت وإطفاء الأضواء. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن هدوء الليل وصفاء السكون. وهذه أمثلة تقريبية لا تقيّد الرائي.
ومن التفاصيل المفيدة وقت المشهد وما يظهر وراء الظلمة. فإن كان فيها نجوم بعيدة فقد يوحي ذلك بسكينة وتأمل، وإن كانت كثيفة لا يظهر منها شيء فقد توحي بغموض أكبر. وإن كان ضوء بعيد يلوح من وراء الزجاج فقد يوحي ببصيص أمل يُنتظر. وإن كان الرائي يحمل مصباحًا ويقترب من النافذة فقد يدل على بحث عن وضوح. وإن كان الجو صافيًا خلفها فقد يرتبط الحلم بهدوء الليل.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم تذكيرًا بأهمية الموازنة بين الظلمة والضوء في نظام النوم. فالغرفة المعتمة تساعد على النوم الهادئ، لكن الضوء الطبيعي نهارًا مفيد للمزاج. ويُستحسن ترك إضاءة خافتة في الممرات لسلامة الحركة ليلًا، وتثبيت النوافذ العالية جيدًا وإبعاد الأطفال عنها. كما أن التحدث عن الهموم قبل النوم قد يخفف من توترها. وليس الحلم نصيحة طبية ولا نفسية ولا أمنية، فإن كثر الخوف من الظلام أو أرق الليل فاستشارة مختص أنسب.
وخلاصة القول أن ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالخير والطمأنينة وراحة البال. ولا يُبنى على الحلم قرار ولا يُنتظر منه أمر محدد. فإن كان الحلم مقلقًا فليصرف عنه الفكر وليعد إلى يومه بهدوء. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أعلم بما كان وما سيكون.
