قد يرى النائم نافذة تطل على جبل شامخ، فيبقى أثر الصورة المهيبة في نفسه. وأول ما ينبغي ذكره أن الرؤيا رمزية، وأن ما يُقال في تفسيرها اجتهاد لا قطع فيه. فالجبل مشهد عظيم يوحي بالثبات والهيبة عند كثيرين، وقد يكون ظهوره في المنام صدى لرغبة في الاستقرار أو لتجربة سابقة. وقد يحمل عند بعضهم معنى أعمق. ولذلك تُعرض هنا احتمالات متعددة تُقرأ بهدوء ولا تُعدّ إخبارًا عن أمر سيقع.
النافذة في الرمزية العامة منفذ للضوء والإطلالة وصلة بين الداخل والخارج. وإذا كانت تطل على جبل اجتمع فيها معنى الإطلالة مع معنى الثبات والعلو والمنعة. فقد ترمز النافذة المطلة على جبل إلى نظر الرائي إلى أمر كبير ثابت يشغل تفكيره. وقد تعبّر عن حاجته إلى الاستقرار والسند الذي يشبه رسوخ الجبال. وقد تدل على إحساس برهبة أمام أمر عظيم. وكل ذلك احتمالات لا قطع فيها.
والجبل في الرمزية العامة يرتبط بالثبات والرسوخ والعلو والصبر، وقد يرتبط عند بعضهم بصعوبة التسلق وبعد القمة. فمن رأى الجبل من نافذته قد يعبّر ذلك عن هدف كبير ينظر إليه من بعيد. وقد يعبّر عن شعور بالطمأنينة لوجود ما يشبه السند في حياته. وقد يدل على إحساس بأن أمرًا ما يقف أمامه كأنه حاجز كبير. فالمعنى يتأرجح بين السند والعائق، ولا يُجزم بأحدهما.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الجبال أن الجبل قد يُحمل على رجل عظيم الشأن أو على أمر شديد الثبات، وقد يُحمل على صعوبة بحسب حال الرائي. وإن صحّت هذه النسبة فهي قاعدة عامة تُنزَّل على النافذة المطلة على جبل بتقريب. ويستأنس بعض المعبّرين بأن النظر إلى الجبل من موضع آمن يوحي بالطمأنينة. ولا يُجزم بشيء من ذلك لأنه ظن في الدلالة. والأولى أن يُنظر في حال الرائي أولًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجبل في الأحلام قد يدل على الأمر العظيم والمنعة، وأن المنافذ تدل على مداخل الخبر. وإذا أُخذ هذا على وجه عام فالنافذة المطلة على جبل قد تدل على نظر الرائي إلى أمر كبير من موضع محفوظ. وقد اختلف المعبّرون في ذلك، فبعضهم مال إلى جانب المنعة، وبعضهم نبّه إلى جانب الصعوبة. وهذا الخلاف يبيّن أن الأمر اجتهادي. فلا يُجزم برأي واحد.
وللسياق أثر كبير في الترجيح. فإن كان الجبل أخضر والسماء صافية والرائي مرتاحًا، فقد يُحمل المشهد على سكينة وإعجاب. وإن كان الجبل صخريًّا قاسيًا والرائي متوترًا فقد يعبّر ذلك عن رهبة من أمر صعب. وإن كان الضباب يغطي قمته فقد يوحي بغموض مؤقت في الهدف. وإن كان الرائي يحاول أن يرى قمته فلا يستطيع فقد يعبّر عن بعد المنال في أمر ما. فالمشاعر المصاحبة هي القرينة الأقوى.
وتختلف القراءة بحسب نوع الرائي. فالطالب قد تعكس الصورة عنده هدفًا دراسيًّا كبيرًا يراه من بعيد. والموظف قد تعبّر عن طموح مهني يحتاج إلى صبر وتدرج. وربة البيت قد ترتبط عندها بحاجة إلى سند وثبات في شؤون الأسرة. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن اشتياق إلى مناظر طبيعية قديمة. وهذه أمثلة تقريبية لا تقيّد الرائي.
ومن التفاصيل المفيدة هيئة الجبل ووقت المشهد. فإن كان الفجر والشمس تضيء قمته فقد يوحي بإشراق وأمل، وإن كان الغروب والظل ينزل عليه فقد يوحي بتأمل. وإن كان عليه ثلج فقد يوحي بصفاء وبرودة هادئة، وإن كان قريبًا جدًّا من النافذة فقد يوحي بثقل. وإن كانت الغيوم تحيط بقمته فقد توحي بمهابة. وإن كان الزجاج نظيفًا فقد يوحي بوضوح في النظر إلى الهدف.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم تذكيرًا بقيمة النظر إلى الأفق البعيد وتقسيم الأهداف الكبيرة إلى خطوات صغيرة. فالتدرج في الأمور يخفف الرهبة من ضخامتها. ويُستحسن فتح النافذة لهواء الصباح والتمتع بالإطلالة، ومراعاة السلامة عند التنزه في المرتفعات. ويُبعَد الأطفال عن النوافذ العالية. وليس الحلم نصيحة طبية ولا نفسية ولا أمنية، فإن كثر القلق من أمر كبير فاستشارة مختص أنسب.
وفي الختام، ما سبق كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالخير والثبات وراحة البال. ولا يُبنى على الحلم قرار ولا يُنتظر منه أمر محدد. فإن كان جميلًا فليحمد الله عليه، وإن أقلقه فليصرف عنه الفكر وليعد إلى يومه بهدوء. ومن الحسن تدوين الشعور الذي صاحب المشهد فور الاستيقاظ لأن النسيان يأتي سريعًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أعلم بما كان وما سيكون.
