قد يرى النائم نافذة تطل على شارع تمر فيه السيارات والمارة، فيستحضر صور الحركة والحياة اليومية. وأول ما ينبغي ذكره أن الرؤيا رمزية، وأن ما يُقال في تفسيرها اجتهاد لا قطع فيه. فالشارع مشهد مألوف، وقد يكون ظهوره في المنام صدى لما يراه الرائي كل يوم. وقد يحمل عند بعضهم معنى أعمق. ولذلك تُعرض هنا احتمالات متعددة تُقرأ بهدوء ولا تُعدّ إخبارًا عن أمر سيقع.
النافذة في الرمزية العامة منفذ للضوء والإطلالة وصلة بين الداخل والخارج. وإذا كانت تطل على شارع اجتمع فيها معنى الإطلالة مع معنى الحركة والمجتمع والاتصال بالناس. فقد ترمز النافذة المطلة على الشارع إلى متابعة الرائي لما يجري حوله واهتمامه بأخبار محيطه. وقد تعبّر عن موقعه بين الانعزال والمشاركة، فهو يرى الناس من مكان آمن. وقد تدل على رغبته في الانفتاح على الناس أو في الاكتفاء بالمراقبة. وكل ذلك احتمالات لا قطع فيها.
والشارع في الرمزية العامة يرتبط بالطريق والحركة والتلاقي والصخب. فمن رأى الشارع من نافذته قد يعبّر ذلك عن مراقبة هادئة لمسارات الناس وتأمل في حياتهم. وقد يعبّر عن إحساس بأن الحياة تجري بسرعة بينما هو واقف. وقد يدل على اهتمام بأمر يحدث قرب بيته. فالمعنى يتأرجح بين التأمل والاهتمام، ولا يلزم أن يحمل رسالة محددة.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطرق والأسواق أن الطريق قد يدل على سلوك المرء في أمره، وأن الزحام قد يدل على كثرة الأشغال. وإن صحّت هذه النسبة فهي قاعدة عامة تُنزَّل على النافذة المطلة على الشارع بتقريب. ويستأنس بعض المعبّرين بأن هدوء الطريق يوحي بسكينة الحال. ولا يُجزم بشيء من ذلك لأنه ظن في الدلالة. والأولى أن يُنظر في حال الرائي أولًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الطرق والأسواق في الأحلام تدل على المعاملات والصلات، وأن المنافذ تدل على مداخل الخبر. وإذا أُخذ هذا على وجه عام فالنافذة المطلة على الشارع قد تدل على ما يصل الرائي من أخبار الناس وتعاملاتهم. وقد اختلف المعبّرون في ذلك، فبعضهم مال إلى جانب الاتصال، وبعضهم توقف عند حال الرائي. وهذا الخلاف يبيّن أن الأمر اجتهادي. فلا يُجزم برأي واحد.
وللسياق أثر كبير في الترجيح. فإن كان الرائي مرتاحًا يراقب المارة بهدوء، فقد يُحمل المشهد على أنس وتأمل. وإن كان الضجيج مزعجًا فقد يعبّر ذلك عن كثرة المؤثرات الخارجية. وإن كان الشارع خاليًا هادئًا فقد يرتبط الحلم بسكينة وخلوة. وإن كان الرائي يبحث عن شخص بين المارة فقد يعبّر عن اشتياق أو انتظار. فالمشاعر المصاحبة هي القرينة الأقوى.
وتختلف القراءة بحسب نوع الرائي. فالطالب قد تعكس الصورة عنده حركة الحي وانشغاله بما حوله. والموظف قد تعبّر عن اتصال بالناس وطريقه اليومي. وربة البيت قد ترتبط عندها بمراقبة حركة الحي وأولادها. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن أنس الجلوس عند النافذة ومشاهدة الناس. وهذه أمثلة تقريبية لا تقيّد الرائي.
ومن التفاصيل المفيدة ما يُرى في الشارع. فإن كان الشارع مزدحمًا فقد يوحي بكثرة الانشغالات، وإن كان هادئًا فقد يوحي بسكينة. وإن كان المطر ينزل عليه فقد يوحي بمزاج متأمل، وإن كانت الأضواء في الليل فقد توحي بوحدة جميلة. وإن كان الأطفال يلعبون فيه فقد يوحي ذلك بحياة وحيوية. وإن كانت النافذة تطل على شارع ضيق فقد توحي بقرب من الجيران.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم تذكيرًا بأهمية الموازنة بين الانفتاح على الناس وحفظ الراحة والخصوصية في البيت. فالنافذة المطلة على شارع مزدحم تحتاج في الواقع إلى زجاج يخفف الضجيج وستائر تحفظ الخصوصية. ويُستحسن إغلاق النوافذ عند الخروج وعند النوم، وإبعاد الأطفال عن النوافذ العالية. ولا بأس بفتحها وقتًا قصيرًا لتجديد الهواء في أوقات الهدوء. وليس الحلم نصيحة طبية ولا نفسية ولا أمنية، فإن كان الضجيج يؤثر في النوم فاستشارة مختص أنسب.
وفي الختام، ما سبق كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالخير والسكينة وراحة البال. ولا يُبنى على الحلم قرار ولا يُنتظر منه أمر محدد. فإن كان جميلًا فليحمد الله عليه، وإن أقلقه فليصرف عنه الفكر وليعد إلى يومه بهدوء. ومن الحسن تدوين الشعور الذي صاحب المشهد فور الاستيقاظ لأن النسيان يأتي سريعًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أعلم بما كان وما سيكون.
