الرؤى باب من الرموز تتداخل فيه الخواطر والمشاعر وصور اليوم، ولا يبلغ تفسيرها مرتبة اليقين. ومن رأى في منامه نافذة ثم ابتسم أو رأى ابتسامة بعدها فإن لرؤياه قراءات متعددة تتبع تفاصيل المشهد. وهذه القراءات رمزية عامة، وليست إخبارًا عن أمر سيقع ولا تقييمًا لحال أحد. فالمقصود منها النظر فيما يدور في النفس لا استشراف الغيب. ومن أخذها بهدوء انتفع بها، ومن بالغ فيها أتعب نفسه بلا فائدة.
النافذة في الرمز فتحة تصل الداخل بالخارج، يدخل منها الضوء ويجري الهواء ويمتد النظر إلى الأفق. وهي تشير عادة إلى التواصل مع المحيط، وإلى الرغبة في رؤية أوسع، وإلى الخصوصية التي يصونها الزجاج أو الستار. والابتسامة في الرموز تتصل بالأنس والانشراح والقبول. فإذا اجتمعا دل ذلك في الغالب على انفتاح لطيف في المشاعر تجاه ما يُطل عليه الرائي. ولا يصح الجزم بمعنى واحد.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن البيت وأجزاءه تعبر عن حال صاحبه، وأن النافذة منها تتصل بما يُطل به المرء على الناس والأحوال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صفاء المنظر واتساع المنفذ يميلان إلى معنى الانشراح، وأن العتمة والضيق قد يدلان على انشغال. وتتفاوت آراء المعبرين في هذه التفاصيل ولا اتفاق تامًا بينهم. فالأولى أن تُؤخذ أقوالهم على سبيل الاستئناس. ويبقى المعتبر هو السياق وحال الرائي.
رؤية النافذة ثم الابتسامة قد تعبر عن شعور بالانشراح بعد النظر والتأمل. وقد ترمز إلى أنس بالمحيط وبمن فيه وارتياح إلى الصلة معه. وقد تدل على ميل إلى التفاؤل الهادئ دون مبالغة. وقد تعبر ببساطة عن نوم لطيف تخللته صورة سارة. ولا يُفهم من ذلك أي وعد بأمر محدد، ولا أن الابتسامة في المنام علامة على حدث في اليقظة.
للسياق أثر كبير، فالابتسامة التي تصدر من الرائي غيرها التي تصدر من شخص يراه من النافذة. وما يظهر خلف الزجاج من سماء أو شجر أو ضوء يضيف إلى الصورة معنى. وإذا كانت الابتسامة صافية بلا ارتباك فقد يميل المعنى إلى أنس وارتياح. وإن كانت غامضة فقد يدل على انشغال بما لم يتضح. وإن غابت التفاصيل فالأولى الاكتفاء بالمعنى العام.
وتختلف قراءة الرؤيا باختلاف الرائي، فالمرأة المتزوجة قد ترى فيها أنسًا بأجواء بيتها وأسرتها. والعزباء قد ترى فيها انشراحًا في تفكيرها نحو دراستها أو عملها. والرجل قد يراها صدى لارتياحه إلى محيطه. والطالب والشاب قد يريان فيها أنسًا بالصحبة وتفاؤلًا هادئًا. وهذه كلها احتمالات تتبع حال كل رائٍ.
ومن التفاصيل ما يزيد المعنى بيانًا، فنافذة نظيفة الزجاج تعقبها ابتسامة توحي بصفاء ومودة. ونافذة معتمة تعقبها ابتسامة قد توحي بأن الأنس جاء من الداخل. وستارة تتحرك مع الهواء قد توحي بانتعاش لطيف. وإن كانت الابتسامة مشتركة بين الرائي ومن حوله فقد يدل ذلك على ألفة. وكل ذلك احتمال تتبدل دلالته بتبدل الشعور.
وتؤثر الحالة النفسية في المنام تأثيرًا ظاهرًا، فالمزاج الطيب وكلمة لطيفة سمعها الرائي قد يستدعيان صور الابتسام. وقد يكون لموقف سار في اليقظة أثر في ظهور هذا المشهد. ولذلك لا يحسن أن يُنسب إلى الرؤيا ما يتجاوز ذلك. وهذا كله مألوف عند كثيرين. والأولى أن تُقرأ الرؤيا صدى لما يعيشه الرائي.
ومن الزاوية النفسية، النافذة صورة مألوفة يستدعيها العقل حين يفكر في الانفتاح والخصوصية والحاجة إلى متنفس. والابتسامة في الأحلام كثيرًا ما ترتبط بالقبول والأنس. وقد تأتي الرؤيا بعد يوم لطيف قضاه الرائي مع من يحب. وقد تكون انعكاسًا لشعور عابر لا إشارة إلى أمر كبير. والتفريق بين الأمرين يكون بوضوح الصورة وأثرها بعد الاستيقاظ.
ومن الناحية العملية، يمكن للرائي أن يتأمل ما الذي يبعث على الأنس في أيامه وأن يحافظ عليه بصلة الأهل والأصدقاء. وقد يفيده الجلوس قرب الضوء والمشي في مكان مفتوح. وإن كان القلق أو الحزن حاضرين في يقظته رغم هذه الصورة فالكلام مع أحد الأهل أو مع مختص نافع. وليس هذا المنام نصيحة طبية أو نفسية أو أمنية، ولا يُبنى عليه قرار في أي أمر. والتروي قبل أي خطوة من حسن التدبير.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ مرتبة اليقين، وقد يصيب وقد يخطئ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالخير ويحسن الظن به. وأن يقابل ما رأى بطمأنينة وهدوء، ويطلب من الله السكينة وصفاء القلب. ثم يمضي في يومه بثقة هادئة.
