من رأى في منامه أن النافذة تتحول إلى لوحة فقد رأى مشهدًا فنيًا يتحول فيه المنظر الحقيقي إلى صورة مرسومة معلقة. والرؤيا رمزية في أصلها، وما يُقال في تفسيرها اجتهاد لا يبلغ درجة القطع. ويتغير المعنى بحسب موضوع اللوحة وألوانها وما شعر به الرائي، أكان معجبًا أم مستغربًا. وهذا النوع من التحولات مألوف في الأحلام، ويُفسر على معنى الانتقال من الواقع الحي إلى الصورة المتأملة. وفيما يلي عرض هادئ لما قيل فيه.
تُعد النافذة من أبسط أجزاء البيت وأكثرها حضورًا في الحياة اليومية، ولهذا تحمل في المنام دلالات قريبة من التجربة المعتادة. فهي موضع دخول الضوء ومرور الهواء، وهي الوسيلة التي يطل بها الإنسان على ما وراء جدرانه. ومن هنا ربطها المفسرون بالتواصل مع الخارج وبسعة النظر وبقدر من الخصوصية يحفظ للمرء داخله. وكل ذلك احتمالات عامة تتغير بحسب الشعور المصاحب للمشهد وطبيعة حياة الرائي.
تحول النافذة إلى لوحة يدل في الأصل على انتقال من النظر إلى ما يجري فعلًا إلى النظر إلى صورة ثابتة له، فالنافذة تعرض الحياة المتحركة واللوحة تثبتها. ولذلك ربطه بعض المفسرين بميل الرائي إلى التأمل والتذكر والتجميل، وبرغبة في تثبيت مشاهد جميلة في الذاكرة. وقد يرمز إلى ابتعاد عن الواقع المتغير إلى صورة مثالية، أو إلى تقدير للجمال. ويحتمل أيضًا أن يعبر عن اهتمام بالفن والذوق. وكل هذه معانٍ محتملة لا يُقطع بها.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الصور والتصاوير أن الصورة تُفسر بحسب موضوعها وحال الرائي، ويختلف الناقلون في كونها محمودة على الإطلاق. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الصورة الجميلة المنظمة أقرب إلى حسن الأحوال، وأن الصورة الكدرة أقرب إلى غموض. وهذه الأقوال تُذكر للإشارة لا للجزم، وقد تكون الرؤيا الفنية أقرب إلى أثر الخيال والذوق عند بعض الرائين. ومن المفسرين من يقدم النظر في ما يشعر به الرائي من إعجاب أو غربة.
يتأثر المعنى بموضوع اللوحة. فإن كانت تصور منظرًا طبيعيًا هادئًا فهو أقرب إلى الراحة والتأمل، وإن كانت تصور مشهدًا مزدحمًا فقد يعبر عن كثرة الأفكار. وإن كانت ألوانها زاهية فهو أقرب إلى البهجة، وإن كانت داكنة فهو أقرب إلى الجدية والغموض. وإن كان إطارها جميلًا فهو أخف في الدلالة. وهذه الفروق ترجع في الغالب إلى ما يشعر به الرائي من ارتياح أو اغتراب.
للرجل قد يشير ذلك إلى ميل إلى التأمل وإلى تقدير الجمال، أو إلى رغبة في الابتعاد قليلًا عن ضجيج الواقع. وللمرأة قد يعبر عن ذوق فني وعناية بالجمال في البيت أو عن رغبة في تثبيت صورة جميلة في الذهن. وقد يكون في الحالتين انعكاسًا لمشاهدة لوحة أو صورة في اليقظة. ولا يصح الجزم بمعنى محدد، فهو صورة رمزية متعددة الاحتمالات.
وللعزباء أو الشاب غير المتزوج قد يكون المشهد صورة لخيال يتأمل الجمال ويرسم أحلامه بهدوء، دون جزم بنتيجة. وللمتزوج أو المتزوجة قد يشير إلى رغبة في تجميل البيت أو استرجاع ذكريات طيبة. وللطالب قد يعبر عن ميل إلى الفنون، وللمسن عن تأمل في صور الماضي بسكينة. وتختلف هذه الدلالات بحسب الظروف.
وللتفاصيل أثر في التفسير. فاللوحة المائية الناعمة أقرب إلى الرقة، واللوحة الزيتية الثقيلة أقرب إلى العمق، واللوحة الفوتوغرافية أقرب إلى توثيق ما كان. وإن كان الرائي يلمس اللوحة فقد يدل على رغبة في الاقتراب من الصورة، وإن اكتفى بالنظر فهو أقرب إلى تأمل. وإن تحركت أجزاء من اللوحة فقد يعبر ذلك عن ميل الخيال إلى مزج الواقع بالصورة. ويبقى أثر المشهد النفسي أهم من تفاصيل الرسم.
من الناحية العملية قد يكون المنام صدى لمعرض أو صورة شُوهدت في اليقظة أو لرغبة في تخصيص وقت للتأمل والفن. ومن المفيد تعليق صور مريحة في البيت، وإفساح وقت للقراءة والرسم والمشي، فكل ذلك يخفف الضغط ويغذي الذوق. ويفيد أن يبقى الجمال حافزًا إلى الفعل لا بديلًا عنه. ويحسن ألا يتحول التفكير في المنام إلى انشغال زائد يفوق حجمه. وليس المنام نصيحة طبية أو نفسية أو أمنية، وإنما رمز يُقرأ بحذر.
ويبقى كل ما سبق في تفسير حلم نافذة تتحول إلى لوحة اجتهادًا بشريًا ظنيًا، يصيب فيه المفسر مرة ويخطئ أخرى، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار كبير في الحياة. والأولى أن يتعامل الرائي مع المنام بهدوء، وأن يدعو الله بالخير والسلامة، وأن يحسن الظن بربه في كل حال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما تقدم إشارات عامة لا تنطبق على كل رائٍ بالصورة نفسها. فليأخذ منها ما يوافق واقعه، وليترك ما لا يوافقه، وليكمل يومه مطمئنًا.
