الرؤى باب من الرموز تتداخل فيه الخواطر والمشاعر وصور اليوم، ولا يبلغ تفسيرها مرتبة اليقين. ومن رأى في منامه نافذة كأنها تنتظره، مفتوحة أو مهيأة على حالها كلما اقترب منها، فإن لرؤياه قراءات متعددة تتبع تفاصيل المشهد. وهذه القراءات رمزية عامة، وليست رسالة غيبية ولا إخبارًا عن أمر سيقع. فالمقصود منها النظر فيما يدور في النفس لا استشراف الغيب. ومن أخذها بهدوء انتفع بها، ومن بالغ فيها أتعب نفسه بلا فائدة.
النافذة في الرمز فتحة تصل الداخل بالخارج، يدخل منها الضوء ويجري الهواء ويمتد النظر إلى الأفق. وهي تشير عادة إلى التواصل مع المحيط، وإلى الرغبة في رؤية أوسع، وإلى الخصوصية التي يصونها الزجاج أو الستار. والانتظار في الأحلام يرتبط عادة بالترقب والاستعداد وبشيء مؤجل في النفس. فإذا اجتمعا دل ذلك في الغالب على شعور بوجود مجال مفتوح يترقب خطوة من الرائي. ولا يصح الجزم بمعنى واحد.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن البيت وأجزاءه تعبر عن حال صاحبه، وأن النافذة منها تتصل بما يُطل به المرء على الناس والأحوال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صفاء المنظر واتساع المنفذ يميلان إلى معنى الانشراح، وأن العتمة والضيق قد يدلان على انشغال. وتتفاوت آراء المعبرين في هذه التفاصيل ولا اتفاق تامًا بينهم. فالأولى أن تُؤخذ أقوالهم على سبيل الاستئناس. ويبقى المعتبر هو السياق وحال الرائي.
نافذة تنتظر الرائي في المنام قد تعبر عن إحساس بأن هناك فكرة أو خطوة أو علاقة تنتظر منه التفاتة. وقد ترمز إلى رغبة داخلية في الانفتاح لم يُترجمها بعد إلى فعل. وقد تدل على ميل إلى التأمل والترقب أكثر من الاندفاع. وقد تعبر ببساطة عن طبيعة الأحلام التي تجعل الأشياء تبدو كأنها تنظر إلى النائم. ولا تُعد هذه الصورة رسالة غيبية، ولا يُفهم منها أي وعد بأمر محدد.
للسياق أثر كبير، فالنافذة التي تنتظر بهدوء ودعة غيرها التي تنتظر بإلحاح. وما يظهر خلفها من ضوء أو سماء أو شجر يضيف إلى الصورة معنى. وإذا شعر الرائي بالطمأنينة عند اقترابه منها فقد يميل المعنى إلى ترقب هادئ. وإن شعر بالارتباك فقد يدل على انشغال بأمر مؤجل. وإن غابت التفاصيل فالأولى الاكتفاء بالمعنى العام.
وتختلف قراءة الرؤيا باختلاف الرائي، فالمرأة المتزوجة قد ترى فيها أمرًا في بيتها وأيامها مؤجلًا ينتظر التفاتتها. والعزباء قد ترى فيها خطوة في دراستها أو عملها تنتظر قرارها. والرجل قد يراها صدى لأمر في عمله أو علاقاته تأخر النظر فيه. والطالب والشاب قد يريان فيها هدفًا مؤجلًا ينتظر الشروع فيه. وهذه كلها احتمالات تتبع حال كل رائٍ.
ومن التفاصيل ما يزيد المعنى بيانًا، فنافذة تنتظر وزجاجها نظيف يوحي بوضوح في المجال المفتوح. ونافذة تنتظر وزجاجها معتم قد توحي بحاجة إلى تنقية الفكرة. وستارة تتحرك مع الهواء قد توحي بترحيب لطيف. وإن كان المنظر خلفها مألوفًا فقد يدل ذلك على صلة الأمر بما يعرفه الرائي. وكل ذلك احتمال تتبدل دلالته بتبدل الشعور.
وتؤثر الحالة النفسية في المنام تأثيرًا ظاهرًا، فالانشغال بأمر مؤجل قد يستدعي صورًا تبدو كأنها تنتظر صاحبها. وقد يكون لموعد أو التزام قريب أثر في ظهور هذا المشهد. ولذلك لا يحسن أن يُنسب إلى الرؤيا ما يتجاوز ذلك. وهذا كله مألوف عند كثيرين. والأولى أن تُقرأ الرؤيا صدى لما يعيشه الرائي.
ومن الزاوية النفسية، النافذة صورة مألوفة يستدعيها العقل حين يفكر في الانفتاح والخصوصية والحاجة إلى متنفس. وشعور الانتظار في الأحلام كثيرًا ما يرتبط بما هو معلق في الذهن. وقد تأتي الرؤيا بعد يوم أجّل فيه الرائي أمرًا كان يريد إنجازه. وقد تكون انعكاسًا لشعور عابر لا إشارة إلى أمر كبير. والتفريق بين الأمرين يكون بوضوح الصورة وأثرها بعد الاستيقاظ.
ومن الناحية العملية، يمكن للرائي أن يتأمل ما الأمر المؤجل في باله وأن يضع له خطوة صغيرة واضحة. وقد يفيده استشارة من يثق به قبل أي خطوة. وإن كان القلق حاضرًا في يقظته فالكلام مع أحد الأهل أو مع مختص نافع. وليس هذا المنام نصيحة طبية أو نفسية أو أمنية، ولا يُبنى عليه قرار في أي أمر. والتروي قبل أي خطوة من حسن التدبير.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ مرتبة اليقين، وقد يصيب وقد يخطئ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالخير ويحسن الظن به. وأن يقابل ما رأى بطمأنينة وهدوء، ويطلب من الله البصيرة وصفاء القلب. ثم يمضي في يومه بثقة هادئة.
