قد يرى الإنسان في منامه خمرًا في مجلس أصحاب يغلب عليهم اللهو والغفلة، فيستيقظ وقد داخله القلق من أثر الصحبة على حياته. وهذا الحلم يتكرر عند من يمرون بمرحلة تكوين صداقات جديدة أو يعيشون في بيئة فيها ضغط أقران أو يراجعون علاقاتهم القديمة. والتفسير هنا رمزي لا حرفي، فهو لا يدل على أن أصدقاء الرائي سيئون ولا على أنه سيقع في شيء. فليستقبل الحلم بهدوء وتأمل، وليحذر من أن يتخذه سببًا لاتهام أحد من أصحابه أو الإساءة إليهم.
والخمر في الرؤى كما يذكرها المفسرون بحذر ترمز إلى مال مشتبه أو غفلة أو فتنة أو أمر يُذهب صفاء الرأي، وحين تقترن بالصحبة فقد تُقرأ رمزيًا على أثر المجالس في القلب والعقل، وعلى أن الرفقة قد تقرّب الإنسان من الخير أو تبعده عنه. وقد تعبر عن خوف من تأثير صحبة معينة أو من الانجراف مع جماعة. وقد تكون من أثر موقف حدث مع الأصحاب أو حديث عن مجلس. وكل ذلك احتمالات للتأمل لا أحكام.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخمر قد تدل على كسب فيه شبهة أو لهو وغفلة، وأن حال الرائي هو المعتبر في الرؤيا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر قد ترمز إلى فتنة أو أمر ملتبس. وقد اختلف المفسرون في هذه الرموز، ومنهم من جعل الاجتماع في مجلس الشراب رمزًا للهو والغفلة المشتركة، دون أن يحمله على أشخاص بأعيانهم. وهذا يؤكد أن الحلم في الغالب موجّه إلى حال الرائي لا إلى حال أصحابه.
وتتبدل الدلالة بتبدل التفاصيل، فإن رأى الرائي نفسه بين جماعة يشربون وهو متحفظ فقد يُقرأ رمزيًا على ثباته بين الناس. وإن رأى نفسه يشاركهم ثم ينفر فقد يتصل الأمر بصراع داخلي. وإن رأى أصدقاءه ينصحونه بالابتعاد فقد يعبر عن وجود نصحاء صالحين في حياته. وإن رأى وجوهًا غير مألوفة فقد يتصل بخوف من بيئة جديدة. ويُنظر إلى مشاعره عند الاستيقاظ فهي من أصدق القرائن.
وللشاب قد يرتبط الحلم بتأثير الأقران وتحديات التماسك. وللطالب بتغير الزملاء والبيئات الدراسية. وللمتزوج بالعلاقات القديمة التي تسحبه إلى ما لا ينفعه. وللمرأة بما يحيط بها من علاقات وضغوط اجتماعية. وللمغترب بالتجاذب بين الوحدة وقبول أي صحبة. وليس في ذلك ما يدين أحدًا، وإنما هي طرق لفهم الحال.
ومن دقائق الأمر أن يُنظر إلى هيئة الجماعة في الحلم وأجوائها، أهي صاخبة أم هادئة، مألوفة أم غريبة، وهل كان للرائي مكان بينهم أم كان غريبًا. فقد يدل ذلك على مدى قربه من تلك الأجواء في الواقع. وينظر كذلك إلى ما قبل الحلم من لقاء أو دعوة أو حديث عن مناسبة. وتبقى هذه التفاصيل قرائن ظنية.
وعمليًا فخير ما يفعله الرائي أن يراجع صحبته بهدوء وحكمة، فيزيد من الصحبة التي تعينه على الخير وتذكّره بربه، ويخفف من المجالس التي لا يجد فيها نفعًا، دون قطيعة جافة ولا عداوة. فالمعاملة الحسنة والابتسامة والدعاء لهم بالهداية من خير ما يُقابل به الناس. وليكثر من الدعاء بأن يرزقه الله صحبة صالحة. وهذا نافع في كل حال.
ومن الناحية الروحية فمن المعلوم أن للرفقة أثرًا بالغًا في السلوك والقلب، وأن اختيار الصحبة من أهم ما يعين على الثبات. ولا بأس أن يجعل الرائي هذا الحلم تذكيرًا بذلك دون أن يتهم أحدًا. وإن كان في واقعه يضغط عليه أصحابه لتعاطي المسكرات أو يجد صعوبة في الابتعاد عنهم فليطلب العون من شخص موثوق أو مختص، فالتغيير أسهل بالسند.
وقد يحسن بالرائي أن يتعلم قول لا بلطف وثبات حين يُعرض عليه ما لا يرتضيه، وأن يملأ وقته بأنشطة نافعة تقرّبه من أهل الخير، كالتطوع والرياضة والتعلم والمجالس الطيبة. فهذه الأمور تبني دائرة جديدة من الصحبة بلا صدام. وكثير من الناس غيّروا حياتهم بخطوات صغيرة كهذه. فليبدأ بما يستطيع.
ومن اللطائف أن الإنسان قد يرى في منامه أصحابًا لا علاقة لهم بحياته الحالية، كأصدقاء الطفولة أو زملاء قدامى أو وجوه غريبة، وهذا يدل على أن الحلم يستحضر الصور من الذاكرة بلا ترتيب. فلا ينبغي أن يظن الرائي أن كل وجه يظهر في الحلم يحمل رسالة عن صاحبه. وقد تكون الصحبة في الحلم رمزًا لحالة نفسية أو لفكرة أو لجانب من شخصيته، لا لأشخاص بعينهم. ومن ثم فإن التأمل في النفس أنفع من التأمل في الناس.
ومن الأدب في هذا الباب ألا يتخذ الرائي من الحلم سببًا لقطع صلة أو تغيير معاملة، فإن ذلك قد يظلم أبرياء لا ذنب لهم. وإن كان لديه في الواقع ما يدعوه إلى مراجعة صحبته فليفعل ذلك بالتدريج واللين وبسبب أمور واقعية، وليحفظ للناس حقوقهم وودهم.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يصلح أساسًا لقرار حقيقي في الصحبة أو غيرها، وقد يخطئ المفسر وإن أحسن النية. والأولى بالرائي أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بالله وبالناس، فإن علم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليطمئن قلبه وليختر رفقته بحكمة ولين.
