قد يرى الإنسان في منامه خمرًا مقترنة بمشاهد من الشهوات واللذات، كأن يرى مائدة عامرة أو مجلس لهو أو ميلًا جارفًا نحو ما تشتهيه النفس، فيستيقظ وفي صدره حيرة أو حياء أو توتر. وهذا الحلم يتكرر عند كثيرين لأن النفس البشرية تحمل ميولًا متعددة، وللمنام قدرة على إبرازها بصور مبالغ فيها. والتفسير هنا رمزي لا حرفي، فهو لا يدل على أن الرائي فعل شيئًا ولا على أنه مقصّر، فالأحلام لا تُحاسب النائم عليها. فليستقبل الحلم بهدوء وتأمل، وليترك التشدد على نفسه.
والخمر في الرؤى كما يذكرها المفسرون بحذر ترمز إلى مال مشتبه أو غفلة أو فتنة أو أمر يُذهب صفاء الرأي، وحين تقترن بالشهوات فإن المعنى الرمزي يتجه إلى ميل النفس إلى اللذات العاجلة وما قد يصاحبه من انشغال عن الأولى. فقد يُقرأ الحلم على أنه تنبيه إلى ضرورة الاعتدال وضبط النفس، أو إلى أن الرائي يمر بمرحلة تشتد فيها الرغبات وتحتاج إلى تدبير. وقد يعبر عن رغبة في الاستمتاع بالحياة وخوف في الوقت نفسه. وكل ذلك احتمالات للتأمل لا أحكام.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخمر قد تدل على كسب فيه شبهة أو لهو وغفلة، وأن حال الرائي هو المعتبر في الرؤيا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر قد ترمز إلى فتنة أو أمر يُذهب العقل، وإلى اتباع الهوى. وقد اختلف المفسرون في تفاصيل هذه الرموز، ومنهم من رأى أن ما يُرى من الشهوات في المنام قد يكون من أثر الخيال والجسد لا من الرسائل المنذرة. وهذا مما يخفف على الرائي.
وتتبدل الدلالة بتبدل التفاصيل، فإن رأى الرائي نفسه يتحكم في رغباته ويكتفي بالقليل فقد يُقرأ رمزيًا على اعتدال وضبط للنفس. وإن رأى نفسه منساقًا بلا وعي فقد يعبر عن تعب أو ضغط يحتاج إلى تهدئة. وإن رأى نفسه يترك المائدة وينصرف فقد يُفهم منه ميل إلى الاستقامة. وإن رأى متعة مصحوبة بقلق فقد يتصل الأمر بصراع داخلي. ويُنظر إلى مشاعره عند الاستيقاظ فهي من أصدق القرائن.
وللشاب قد يرتبط الحلم بطبيعة المرحلة العمرية وما فيها من اندفاع. وللأعزب بما قد يشغله من ميول طبيعية. وللمتزوج بما قد يتصل بتوازن بيته. وللمرأة بما تحمله من مشاعر وضغوط. وللصائم أو المنشغل بالعبادة بأثر الحرمان العارض على الخيال. وليس في شيء من ذلك ما يدين أحدًا، فهذه أمور فطرية تظهر في المنام بلا إرادة.
ومن دقائق الأمر أن يُنظر إلى شدة المشهد وطبيعته، فكلما كان غريبًا ومبالغًا فيه كان أقرب إلى أضغاث الأحلام التي تتشكل من الخيال والجسد. وينظر كذلك إلى حال الرائي قبل النوم من أكل ثقيل أو سهر أو مشاهدات. فكثيرًا ما يكون الجسد هو مصدر هذه الصور. ولا ينبغي أن يُعطى الحلم أكثر من حجمه.
وعمليًا فخير ما يفعله الرائي أن يعتني بأسباب الاعتدال، فينظّم نومه وطعامه، ويحفظ نظره وسمعه، ويملأ وقته بما ينفع من عمل ورياضة وعلم وطاعة، ويصاحب أهل الخير. وليكثر من الدعاء بأن يرزقه الله العفة والاتزان. وهذا نافع في كل حال. ومن كان أعزب فليسعَ في الأسباب المشروعة التي تعينه على الاستقرار بحكمة.
ومن الناحية الروحية فلا ينبغي أن يجلد الرائي نفسه بسبب ما يراه في منامه من ميول، فإن الإنسان لا يُحاسب على ما لا إرادة له فيه وقت النوم. والأحسن أن يستغفر ويدعو ويمضي في يومه بنفس مطمئنة. وإن كان في واقعه يعاني من تعلق بالمسكرات أو غيرها يغلبه فليطلب العون من شخص موثوق أو مختص، فهذا من الحكمة والشجاعة.
وقد يفيد الرائي أن يتذكر أن الاعتدال في الحياة من أجمل ما تدعو إليه الشريعة، فلا إفراط ولا تفريط، وأن في الحلال من اللذات ما يكفي النفس ويغنيها عن الشبهات. فليأخذ من الدنيا بقدر ما يعينه على طاعة ربه ويحفظ كرامته. وهذه الرؤية المتوازنة تخفف كثيرًا من صراعات النفس.
ومن الحكمة أن يفرّق الرائي بين ما هو فطري في النفس وما هو مذموم، فالشهوات الفطرية ليست عيبًا في حد ذاتها، وإنما المطلوب أن توجَّه في إطارها المشروع وبقدرها. وقد يكون الحلم في بعض الأحيان تعبيرًا بريئًا عن حاجة طبيعية لم تجد طريقها في اليقظة، كالحاجة إلى الترويح أو الاستقرار أو الحنان. وإذا فهم الرائي ذلك خفّ عنه الحرج، وانتقل من الشعور بالذنب إلى التفكير في الحلول المشروعة التي تلبي حاجته.
ومن الجميل أن يعلم الإنسان أن للنفس حقًا في الراحة والمتعة المباحة، وأن التضييق المفرط عليها قد يولّد ردود فعل عكسية. فليجعل لنفسه من وقته نصيبًا للترويح البريء مع الأهل والأصحاب الصالحين، وليتوازن بين جدّه وراحته. وبهذا التوازن تهدأ كثير من المنامات المقلقة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يصلح أساسًا لقرار حقيقي، وقد يخطئ المفسر وإن أحسن النية. والأولى بالرائي أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بالله، فإن علم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليطمئن قلبه وليمضِ في طريقه باعتدال وسكينة.
