قد يرى الإنسان في منامه خمرًا مقترنة بحالة غفلة، كأن يرى نفسه نائمًا بجوار شراب أو تائهًا لا يدري ما يفعل أو غافلًا عما يحدث حوله، فيستيقظ وفي نفسه إحساس بالضياع أو التقصير. وهذا الحلم يتكرر عند من تشغلهم الدنيا ويشعرون بفتور أو تشتت أو ازدحام في الأولويات. والتفسير هنا رمزي لا حرفي، فهو لا يدل على أن الرائي مقصّر حقًا ولا على أنه فعل شيئًا. فليستقبل الحلم بهدوء وتأمل، وليحوّله إلى نية خير لا إلى جلد للنفس.
والخمر في الرؤى كما يذكرها المفسرون بحذر ترمز إلى مال مشتبه أو غفلة أو فتنة أو أمر يُذهب صفاء الرأي، وحين تقترن بالغفلة فإن المعنى يتجه مباشرة إلى جانب الانشغال عن الأهم. فقد يُقرأ الحلم رمزيًا على أن الرائي يعيش في دوامة أعمال أو لهو أو قلق تحجبه عن أمور أساسية كصلته بربه أو وقته مع أهله أو صحته. وقد يعبر عن رغبة في الاستيقاظ من نمط حياة رتيب. وقد يكون من أثر الإرهاق نفسه. وكل ذلك احتمالات للتأمل لا أحكام.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخمر قد تدل على كسب فيه شبهة أو لهو وغفلة، وأن حال الرائي هو المعتبر في الرؤيا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر قد ترمز إلى فتنة أو أمر ملتبس، وإلى ذهاب العقل عن مصالحه. وقد اختلف المفسرون في تفاصيل هذه الرموز، ومنهم من رأى أن الغفلة المشار إليها في الرؤيا قد تكون غفلة عامة يمر بها أكثر الناس ولا تدل على ذنب بعينه. وهذا ما يخفف من وطأة الحلم.
وتتبدل الدلالة بتبدل التفاصيل، فإن رأى الرائي نفسه يستفيق من غفلته داخل الحلم فقد يُقرأ رمزيًا على يقظة قلبه وتنبهه. وإن رأى نفسه غارقًا فيها فقد يعبر عن تعب أو حاجة إلى توقف ومراجعة. وإن رأى غيره يوقظه فقد يتصل الأمر بدور ناصح أو صديق في حياته. وإن رأى الغفلة في مكان مألوف فقد يتصل ببيئته اليومية. ويُنظر إلى مشاعره عند الاستيقاظ فهي من أصدق القرائن.
وللشاب قد يرتبط الحلم بسرعة انقضاء الأيام وضياع الوقت. وللمتزوج بانشغاله بالعمل عن أسرته. وللمحافظ على عبادته بالفتور العارض الذي يصيب كل أحد. وللمرأة بكثرة ما يشغلها من مسؤوليات. وللمريض بتعب يشتت انتباهه. وليس في هذه القراءات ما يدين أحدًا، وإنما هي مفاتيح للتأمل.
ومن دقائق الأمر أن يُنظر إلى هيئة الغفلة في الحلم، أهي نوم أم تيه أم لهو، وإلى ما حولها من أصوات أو أشخاص أو ظلال. فالنوم قد يرمز إلى راحة مطلوبة، والتيه إلى حاجة إلى توجيه، واللهو إلى ملل أو بحث عن متنفس. وينظر كذلك إلى ما قبل الحلم من إرهاق أو سهر أو انشغال. وتبقى هذه التفاصيل ظنية.
وعمليًا فخير ما يفعله الرائي أن ينظّم وقته، ويخصص لكل أمر حقه، ويحرص على أوراده وصلاته في أوقاتها، ويعطي أهله وصحته نصيبًا من اهتمامه. وليتفقد ما يشغله من ملهيات ويخفف منها بقدر الإمكان، كالإفراط في الشاشات والسهر. وليكثر من الدعاء بأن يرزقه الله يقظة القلب وحسن التدبير. وهذا نافع في كل حال.
ومن الناحية الروحية فلا بأس أن يتأمل الرائي أن اليقظة المطلوبة ليست توترًا دائمًا بل حضور قلب هادئ وانتباه لطيف، وأن الإنسان يحتاج إلى الراحة كما يحتاج إلى الجد. وإن كان في واقعه يعاني من الإفراط في المسكرات أو غيرها هربًا من الواقع فليطلب العون من شخص موثوق أو مختص، فهذا من الحكمة. وليعلم أن الاستفاقة تبدأ بخطوة صغيرة صادقة.
وقد يكون الحلم أيضًا انعكاسًا لتعب جسدي أو نفسي حقيقي، فالإنسان المرهق يحلم بالغفلة والتيه ليعبر عن حاجته إلى الراحة. فليحرص على النوم الكافي والغذاء الجيد والحركة المعتدلة والحديث مع أهل الثقة. وفي ذلك ما يعيد التوازن ويخفف هذه المنامات بإذن الله.
ويحسن بالرائي أن يتذكر أن الغفلة ليست صفة ثابتة في إنسان، بل هي حالة تعبر على القلوب ثم تنقشع، وأن من أسباب انقشاعها كلمة طيبة أو موقف مؤثر أو لحظة صفاء في خلوة. فلا يظن أن رؤية الغفلة في المنام تعني أنه محكوم بها، بل لعلها دعوة إلى أن ينتهز هذه اللحظات ويجعلها بداية. وكم من إنسان استفاق من غفلة بسبب حلم بسيط ثم تغيرت وجهة حياته نحو الأفضل. فليكن هذا الحلم عنده بابًا للأمل لا للخوف.
ولا بأس أن يضع لنفسه تذكيرات لطيفة في يومه، كورد قصير بعد كل صلاة، أو دقائق من التأمل قبل النوم، أو صحبة صديق يتواصى معه على الخير. فهذه الأمور الصغيرة تبني يقظة هادئة تدوم. وليتجنب القسوة على النفس، فإن اللين مع الجد هو الطريق الأقصر إلى الاستقامة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يصلح أساسًا لقرار حقيقي، وقد يخطئ المفسر وإن أحسن النية. والأولى بالرائي أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بالله، فإن علم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليطمئن قلبه وليبدأ يومه بنية صافية ويقظة هادئة.
